خبر

الفدرالية “الإتنو جغرافية”: مبادئ حكم وحوكمة

كتب إياد حارث فؤاد افرام البستاني في “نداء الوطن”:

يسعى النظام الفدرالي المقترح للبنان، إلى تنظيم التعدّدية الثقافية والحضارية في البلاد، وتمكين المجتمعات المحليّة من إدارة شؤونها ضمن إطار جامع يحافظ على وحدة الدولة واستقرارها. هذا المقال يمثل خطوة عملية لفهم كيف يمكن للفدرالية أن تتحوّل من فكرة نظرية إلى حلّ واقعيّ يحقق العدالة، والاستقرار، والتنمية المتوازنة لكلّ ملّة من ملل لبنان.

ينطلق النظام الفدرالي المقترح من الاعتراف بأن لبنان يتكوّن من قوميّات متعدّدة، مجموعات حضارية مختلفة، لكلّ منها سرديّتها الوطنية وتاريخها الاجتماعي، ومرجعياتها الثقافية، وأنماط عيشها الخاصة. لا تفهم هذه التعدّدية بوصفها انقسامًا دينيًا، بل باعتبارها تعدّدية ثقافية “هوياتية” تشكّلت عبر التاريخ وأصبحت حقيقة راسخة.

بناءً على ذلك، يهدف النظام الفدرالي إلى تنظيم هذه التعدّدية بدل السعي إلى إنكارها. فاللحمة السياسية لا تُبنى عبر فرض نموذج واحد مركزيّ أحادي للحكم على مجتمعات مختلفة، بل عبر تمكين هذه المجتمعات من إدارة شؤونها الذاتيّة ضمن إطار جامع.

في هذا السياق، تعتبر الفدرالية حقًا سياسيًّا من حقوق الإنسان والجماعات الأساسيّة، لا امتيازًا ظرفيًا. فلكلّ مجموعة حضارية الحق في اختيار نمط الحكم الذي يعكس قيمها الاجتماعية، وتنظيم شؤونها التربويّة والاقتصادية، والثقافية والأمنية والسيادية.

كما يرتكز النظام على مبدأ تفريع السلطات من الأسفل إلى الأعلى، أي إن الصلاحيات تُمارَس في المستوى الأدنى، ولا تُنقل إلى مستوى أعلى إلّا عندما تعتبر السلطة الأدنى أن ذلك ضروريّ. يشكّل هذا المبدأ، المعروف بمبدأ “الإمداد أو الحوكمة التصاعدية” (Principe de Subsidiarité) العمود الفقريّ للنظام الفدراليّ الناجح.

مستويات الحكم الثلاثة

1. المستوى البلدي

يقوم النظام الفدرالي المقترح على ثلاثة مستويات متكاملة للحكم: البلدي (إقامة بلدية)، الكانتوني (مواطنة كانتونية)، والفدرالي. فالإقامة البلدية تفرض حقوقًا وموجبات، كما المواطنة الكانتونية والهوية اللبنانية. على كلّ لبناني الاستفادة من الحقوق المعطاة والانصياع للواجبات المترتبة، بحكم مكان سكنه المسجّل كما انتمائه الكانتوني (أي المواطنة) وجنسيته اللبنانية.

• المستوى البلدي: نواة النظام

تُشكّل البلديات الخليّة الأساسية في النظام الاتحاديّ، ويقوم عملها على مبدأ المحليّة (Localism) بوصفه الركيزة الجوهرية لهذا النظام. فالمحلية تعني نقل القرار إلى أقرب مستوى من المواطن، حيث تُدار الشؤون العامة من قبل المجتمع المحليّ نفسه، بما يضمن فعالية أعلى، ومساءلة مباشرة، وشعورًا حقيقيًا بالملكية والمسؤولية.

فالبلديات ليست مجرّد وحدات إداريّة تابعة للمركز، بل كيانات سياسية محليّة تتمتع بصلاحيات واسعة لإدارة الشؤون اليوميّة للمواطنين، بما يشمل التخطيط العمراني، والخدمات العامة، ومستوى الضريبة المحليّة والتنمية المحلية، وإدارة الموارد المشتركة والقضاء والأمن المحليين. ويتيح هذا الإطار للسلطات المحلية معالجة التحدّيات وفق خصوصيات كلّ منطقة، بعيدًا من الحلول المركزية الموحّدة التي أثبتت فشلها في المجتمعات المركّبة.

يُنتخب المجلس البلديّ من جميع المقيمين ضمن النطاق البلديّ، بغض النظر عن انتمائهم الكانتوني (أي بغض النظر عن المواطنة الكانتونية المذكورة أعلاه)، بما يعكس الطابع المدني والوظيفي للبلدية ويجسّد مفهوم الإقامة الفعلية والمشاركة في الحياة المحلّية. أمّا حق الترشح للمناصب البلدية، فيُحصر بالمواطنين الكنتونيين للكانتون الذي تتبع له البلدية، بما يضمن الحفاظ على الهويّة المحلية والارتباط العضويّ بالمجتمع البلدي وتحميل المسؤولية لمن هم جزء أصيل منه.

كما تتمتع البلديات بقدرة التعاون في ما بينها، ويُتاح لها إنشاء اتحادات بلدية مرنة “على القطعة” أو إطلاق مشاريع مشتركة وفقًا لحاجاتها الاقتصادية والإنمائية، من دون فرض اندماج قسريّ أو دائم. ويعزز هذا النموذج المرن التكامل بين المناطق، ويُكرّس مبدأ المحلية كمدخل أساسيّ للتنمية المتوازنة، مع احترام خصوصيّة كل بلدية واستقلاليتها كل واحدة بحسب وضمن إطار قوانين الكانتون الذي تنتمي إليه.

• المستوى الكانتوني: وحدة الحكم الذاتي

يتكوّن النظام الفدرالي من أربعة كانتونات تمثل المجموعات الحضارية الرئيسية في لبنان: المسيحية، السنية، الشيعية، والدرزية. ويُحدَّد انتماء البلديات إلى هذه الكانتونات وفق معايير ديموغرافية واضحة ودقيقة، تهدف إلى عكس الواقع الاجتماعيّ الحقيقيّ وضمان وجود عادل، ومستقرّ ومستدام لكلّ مكوّن.

تُلحَق أيّ بلدية بالكانتون الذي تنتمي إليه المجموعة القومية الحضارية التي تشكّل ما لا يقلّ عن 67 % من سكانها الأصليين، باعتبار هذه النسبة تعكس أغلبية صريحة ومستقرّة. أمّا إذا تراوحت نسبة المجموعة الحضارية الأولى بين 51 % و 66 % وكانت نسبة المجموعة الثانية أقلّ من 25 %، فتُلحَق البلدية أيضًا بالكانتون الذي تنتمي إليه المجموعة الأولى. وفي الحالات الأخرى، تُصنَف البلدية كحالة مختلطة، ويُعالج وضعها عبر أحد مسارين: إمّا إجراء تصويت محليّ يحدّد الانتماء الكانتوني (مع حق الكانتون بالرفض)، أو التوصّل إلى تسوية إدارية – دستورية تراعي الخصوصيّات المحلية والتاريخية للبلدية (فصل البلدية إلخ). يعكس هذا الإطار مبدأ العدالة التمثيلية، ويؤكّد أن تكوين الكانتونات يستند إلى الوقائع الاجتماعية والديموغرافية الفعلية لا إلى فرضيات نظرية أو مصالح فوقية، بما يعزز شرعية المؤسسات ويحدّ من احتمالات النزاع.

ويُعدّ الكانتون وحدة الحكم السياسي الأساسية في النظام الفدرالي، ويتمتع بصلاحيات سيادية واسعة في إدارة شؤونه الداخلية، تشمل السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية، ووضع دستوره الكانتوني، وتنظيم انتخاباته، وإدارة الاقتصاد المحلّي، والتعليم، والثقافة، والدفاع والأمن، وتحصيل الضرائب ورسوم الخدمات الكانتونية.

أمّا التضامن فهو ركيزة من ركائز الفدرالية لا تقلّ أهميّة عن الركائز المذكورة أعلاه. فمبدأ التضامن يفرض آلية لتوزيع الثروة بحيث تُحوّل بعض الموارد من القرى الغنية إلى القرى الأقلّ رخاء أو النائية، لضمان استفادة جميع المناطق من الثروة المحلّية وتحقيق فرص متساوية للرخاء والسعادة، ودعم التنمية المتوازنة، وتمكين الجميع من المشاركة الفعلية في التقدّم والازدهار، ما يعزز اللحمة والاستقرار المحلّي ويحدّ من التفاوتات الاقتصادية بين البلديات المتاخمة.

وأخيرًا، يتمتع الكانتون بصلاحية انتخاب برلمانه، وتشكيل مجلس وزاريّ، وإقامة سلطة قضائية مستقلة، بما يتيح ممارسة كاملة للسلطة ويضمن استقلالية فعلية لكلّ كيان داخلي، مع الحفاظ في الوقت نفسه على تماسك النظام الفدرالي ككلّ.

• المستوى الفدرالي: السيادة المشتركة

يقتصر دور المستوى الفدرالي على إدارة المسائل السيادية المشتركة التي لا يمكن التعامل معها على المستوى المحليّ أو الكانتوني، وتشمل السياسة الخارجية: إعلان الحرب والسلم، الدفاع عن الحدود، التمثيل الدبلوماسي، والسياسة النقدية.

يتمّ اتخاذ القرارات الفدرالية من خلال مجلس رئاسيّ (يسمّى أيضًا حكومة فدرالية) مكوّن من رؤساء حكومات الكانتونات الأربعة، حيث يتمتع كلّ منهم بحق النقض (الفيتو)، ما يعني أن أيّ قرار في السياسة الخارجية، الحرب والسلم، أو السياسة النقدية يجب أن يحصل على موافقة جميع الكانتونات الأربعة لضمان التوافق وحماية مصالح كلّ مكوّن.

تتألّف السلطة التنفيذية الفدرالية من رؤساء حكومات الكانتونات الأربعة، ويتناوب أحدهم على رئاسة الاتحاد سنويًا وفق معيار العمر أو الأقدمية لضمان التوازن بين الكانتونات.

تلتحم البرلمانات الكانتونية الأربعة ضمن برلمان فدراليّ واحد فيكون هذا الأخير مكوّنًا من جميع النواب المنتخبين كلّ واحد في كانتونه. وجميعهم نواب فدراليون حكمًا. ودوره استشاري للسلطة التنفيذية الفدرالية ولذا فهو أقرب لمجلس الشيوخ من ناحية الدور.

أمّا القضاء الفدرالي فهو يختصّ بقضايا ونزاعات الإدارة الفدرالية حصرًا.

• في الأمن والدفاع:

يتمّ إنشاء جيش فدراليّ موحّد لحماية حدود الدولة الفدرالية (armée de métier) بينما يُنشأ حرس وطني خاصّ بكلّ كانتون لإدارة الأمن الداخلي وحفظ الاستقرار المحليّ ويكون هذا الجهاز أيضًا بمثابة جيش فدرالي احتياطي (armée de réserve). تخضع جميع القوات المسلّحة لتدريب منسّق يهدف إلى تعزيز القدرة على التعاون بين القوات المختلفة، بما يضمن فعالية واستجابة سريعة لأيّ تهديد خارجيّ، ويعكس التوازن بين الاستقلالية المحليّة ووحدة الدولة.

ختامًا، يقف لبنان على مفترق طرق تاريخي، والفدرالية تمثل خيارًا استراتيجيًا حاسمًا للبقاء والنهضة. فهذا النظام ليس مجرّد نظرية سياسية، بل هو إطار واقعيّ وعمليّ يحمي الحقوق، ويضمن العدالة، ويحول دون استفراد أيّ مكوّن بالسلطة.

لا يمكن أن نستمرّ في الانصياع لنظام مركزيّ أحاديّ فاشل جلب الفوضى، وترك الدولة عاجزة عن حماية المواطنين اجتماعيًا وثقافيًا وعسكريًا واقتصاديًا. أما نجاح المشروع الفدرالي فيتطلّب مشاركة فعلية: الترشح، العمل السياسي، التوعية، الحشد الشعبي والنضال الثقافي.

آن الأوان لاعتماد الفدرالية ولكلّ يوم تأخير كلفة باهظة: كلفة الزوال والانقراض للمسيحيين، وللقوميات الأخرى من سنة وشيعة ودروز، كلفة العيش الدائم بالتخلّف ودوّامة الحرب والبغض والكراهية وشريعة الغاب المستدامة.

أخبار متعلقة :