خبر

الأسعار تنهش مداخيل الأسرة

كتبت رماح هاشم في “نداء الوطن”:

يشهد الاقتصاد اللبناني منذ سنوات عدّة تحديات هيكليّة حادّة أثرت على جميع القطاعات الاقتصادية ومستوى معيشة المواطنين. فقد تراجعت القدرة الإنتاجية، وانهارت منظومة التمويل، ممّا حدّ من قدرة الدولة والقطاع الخاصّ على توفير الوظائف وزيادة الأجور بما يتناسب مع ارتفاع الأسعار.

تتسم الأزمة الاقتصادية اللبنانية بتشابك بين عوامل داخلية، مثل ضعف الإنتاجية والاحتكار في بعض القطاعات الحيوية، وعوامل خارجية، مثل التضخم العالمي وارتفاع أسعار الطاقة والمواد الغذائية. هذه العوامل أدّت إلى انخفاض القدرة الشرائية للأسر، وزيادة الضغوط على الأعمال الصغيرة والمتوسطة، التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد المحلي.

في هذا الإطار، يُصبح فهم العلاقة بين ارتفاع الأسعار، الأجور، كلفة الإنتاج، وتمويل الشركات، أمرًا أساسيًا لتحديد السياسات الاقتصادية الفعّالة التي تتيح الاستقرار المالي والاجتماعي، وتحفز النمو الاقتصادي المستدام.

ارتفاع الأسعار والأجور

يؤكّد الخبير الاقتصادي باتريك مارديني لـ “نداء الوطن”، أن “ارتفاع الأسعار والتضخم لا يرتبطان بالضرورة بزيادة الرواتب والأجور”، مشيرًا إلى أن “الأجور تُحدَّد أساسًا وفق قدرة صاحب العمل على الدفع، والتي تتوقف بدورها على مستوى الإنتاجية وحجم الإيرادات، وليس فقط كلفة المعيشة”.

ويشدّد على أن “الدولة اللبنانية تواجه واقعًا ماليًا دقيقًا، إذ تكاد نفقاتها توازي إيراداتها، وفي ظل عجزها عن اللجوء إلى مصادر التمويل التقليدية، أي زيادة في الرواتب من دون موارد إضافية ستؤدي إلى تعميق العجز وإعادة إنتاج التضخم”.

تطور التضخم والأسعار

يرى مارديني أن “ارتفاع الأسعار خلال السنوات الخمس الماضية كان مرتبطًا جزئيًا بانهيار سعر صرف الليرة”، لكنه يوضح أن “هذا العامل بدأ يتراجع تدريجيًا مع تحوّل الاقتصاد اللبناني إلى واقع شبه مدولَر، حيث أصبحت غالبية الأجور بالدولار الأميركي”.

ويشير إلى أن “استقرار سعر الصرف منذ صيف 2023 خفف حدة التضخم الداخلي، رغم استمرار التأثر بالارتفاعات العالمية في أسعار المواد الغذائية والطاقة. ويضيف أن القدرة الشرائية للمواطنين تحسنت مقارنة بذروة الأزمة عام 2021، لكنها لا تزال أقل من مستويات ما قبل الأزمة”.

قطاع الكهرباء

يرى مارديني أن “قطاع الكهرباء يشكل عنصرًا أساسيًا في كلفة الإنتاج والتشغيل”، مؤكّدًا أن “احتكار القطاع يؤدي إلى ضعف الجودة وارتفاع الأسعار، ما ينعكس على جميع السلع والخدمات”.

ويلفت إلى أن “فتح القطاع أمام المنافسة والسماح لمنتجين وموزعين جدد، تحت إشراف الهيئة الناظمة، يمكن أن يخفض كلفة الكهرباء ويحسّن القدرة الشرائية للمواطنين”.

يضيف: “الكهرباء ليست مجرد فواتير، بل تدخل في كل نشاط اقتصادي، من المطاعم إلى المصانع ومحلات السوبرماركت”.

الأعمال الصغيرة والمتوسطة

يشير مارديني إلى أن “المشكلة الجوهرية التي تواجه الأعمال الصغيرة والمتوسطة ليست ارتفاع الأسعار، بل نقص التمويل وقدرة الاقتصاد على خلق قيمة إضافية”.

ويؤكد أن هذا “النقص يمنع الشركات من التوسّع وتوظيف المزيد من العمال ورفع الأجور، ما يضغط على القدرة الشرائية للمواطنين ويؤثر على مشاريع الحياة مثل الزواج وشراء العقارات.

ويُشدّد على أن “الحل يكمن في إعادة إحياء القطاع المصرفي وتمكين الشركات من الوصول إلى التمويل، ما يسمح لها بزيادة الإنتاجية، وتوظيف المزيد، وتحسين الأجور، وبالتالي تحقيق استقرار اقتصادي واجتماعي”.

ويخلص مارديني إلى أن “المشكلة الظاهرية هي ارتفاع الأسعار، أما المشكلة الجوهرية فهي نقص التمويل وعدم قدرة الاقتصاد على خلق قيمة إضافية”.

وعليه، ويؤكّد أن “معالجة الأزمة المصرفية، وتحفيز الاستثمارات، ودعم الأعمال الصغيرة والمتوسطة، هي أولويات استراتيجية يجب أن تعطيها الحكومة كل الاهتمام، لأنها المفتاح لتحسين القدرة الشرائية وتحقيق الاستقرار الاقتصادي في لبنان”.

ميزانية الأسرة

تجدر الاشارة إلى أن “ارتفاع أسعار السلع والخدمات، سواء كان نتيجة للتضخم الداخلي أو للارتفاع العالمي في الأسعار، فهو يؤثر مباشرة على القدرة الشرائية للأسر ويعيد ترتيب أولويات الإنفاق. ويمكن تلخيص التأثيرات الأساسية على ميزانية الأسرة على الشكل التالي: زيادة الإنفاق الشهري على الأساسيات، الغذاء، الطاقة، النقل، والمياه تمثل غالبية إنفاق الأسرة، أي ارتفاع في أسعار هذه السلع يؤدي إلى زيادة إجمالي مصاريف الأسرة دون زيادة مقابلة في الدخل، ما يقلص القدرة على الادخار أو الإنفاق على الاحتياجات الثانوية.

تقلّص القدرة الشرائية، إذا لم ترتفع الرواتب بنفس معدل ارتفاع الأسعار، فإن الأسرة تشعر بأن دخلها يفقد قيمته تدريجيًا، هذا يجعل من الصعب تلبية الاحتياجات الأساسية أو التخطيط للمستقبل، مثل التعليم، الصحة، أو الاستثمار في المنزل.

تغير أولويات الإنفاق، الأسر غالبًا تضطر لتقليل الإنفاق على الكماليات والخدمات غير الضرورية مثل السفر، الترفيه، أو بعض مشتريات الاستهلاك الاختياري، يمكن أن تؤثر هذه التحولات على السوق المحلية، حيث يقل الطلب على بعض القطاعات.

الضغط على الأسر منخفضة ومتوسطة الدخل، الأسر ذات الدخل المحدود تتأثر أكثر، لأنها تنفق نسبة أكبر من دخلها على الاحتياجات الأساسية، ارتفاع الأسعار يزيد من احتمالية تراكم الديون أو الحاجة إلى اللجوء إلى المساعدات الخارجية.

آثار طويلة الأمد على التخطيط المالي، الأسر قد تؤجل شراء العقارات أو تأجيل مشاريع تعليمية أو صحية، التضخم المستمر قد يضع ضغوطًا إضافية على الادخار والاستثمار، ويقلّل من الاستقرار المالي على المدى الطويل”.

باختصار، ارتفاع أسعار السلع يقلص فعليًا القدرة الشرائية للأسر، ويزيد الضغط على ميزانياتها، ويجعل التخطيط المالي أكثر صعوبة، خاصة في ظل غياب زيادة ملائمة في الدخل.

أما في ما يتعلق بالحلّ، فيرى الاقتصاديون أنّ الحل لا يكمن فقط في ضبط الأسعار أو دعم الأجور، بل في معالجة التمويل، الاستثمار، الإنتاجية، وكلفة الطاقة.

أيّ استقرار اقتصادي طويل الأمد في لبنان يعتمد على قدرة الدولة والقطاع الخاص على خلق قيمة إضافية تمكّن الشركات من النمو وزيادة فرص العمل، ما يحسّن مستوى المعيشة ويخفف الضغط على الأسر.

أخبار متعلقة :