كتب منير الربيع في “المدن”:
هو السجال أو الصراع الدائم بين “التقسيم” والحفاظ على الدول المركزية الموحدة. وإذا كانت الفيدرالية مفهوماً اتحادياً في التعريف الطبيعي لها، إلا أنها في بلاد كمثل الشرق الأوسط أو المشرق العربي تأخذ مفهوماً مغايراً يميل نحو التقسيم أو الاستقلالية، خصوصاً في الدول التي كانت موحدة ومركزية ولكنها متنوعة وفيها مجموعات مختلفة تبحث عن استقلالية سياسية. يبقى الأساس أن الفيدرالية أو الاتحادية، يجري الاتفاق عليها بين جماعات متعددة للدخول إلى إطار وحدة سياسية أو تكتل موحد في السياسة الخارجية والمالية. أما في هذه البلاد فإن مبدأ المطالبة بالفيدرالية ينطلق من خلفية الصراع على السياسة الخارجية أو وجهتها، إضافة إلى الصراع على الوجهة المالية. وبالنظر إلى الوقائع فإن الفيدرالية يفسرها كثر في هذه المنطقة بوصفها محاولات للانفصال أو للاستقلال عن السلطة السياسية المركزية وتبني خيارات سياسية مغايرة لها.
تثبيت مفهوم إسرائيل الكبرى
يستمر هذا السجال أو الصراع ويتنامى في ضوء كل التطورات التي تشهدها المنطقة، وتبدو إسرائيل إحدى أكثر الدول المستفيدة من تعميم أي نموذج يأخذ طابعاً انفصالياً يضعف الدول المركزية او الدول الكبرى، في إطار سعيها لتثبيت مفهوم إسرائيل الكبرى أو العظمى، التي تعيش على وقع صراعات في الدول المجاورة على أسس عرقية أو قومية أو دينية أو طائفية. في المقابل، ترفع الدول الكبرى في المنطقة شعار “رفض التقسيم” أو الكيانات الموازية أو الانفصالية. وهناك مسار واضح لمواجهة أي محاولة لتصغير الكيانات بتكريس كيانات انفصالية من الصومال إلى السودان واليمن وهو ما يفترض أن يسري على المشرق العربي أيضاً.
في السياق، يمكن وضع عنوان أساسي لزيارة وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان إلى الولايات المتحدة الأميركية، وهذا العنوان هو لا للتقسيم. وهو ما تحاول دول كثيرة مثل السعودية، مصر وتركيا العمل على بلورته ودفع الأميركيين لعدم تبني أي خيارات انفصالية في المنطقة نظراً لخطورتها على الأمن القومي لهذه الدول. في المقابل، تبدو إسرائيل أكثر الدول الساعية إلى تغذية منطق الانفصال تارة باستخدام مفهوم “حماية الأقليات” أو السعي لتوسيع جغرافياتها بالقوة العسكرية على حساب الدول الأخرى.
حتى الآن لا تبدو واشنطن تؤيد خيارات “تصغير الكيانات” أو الدفع باتجاه مناطق إدارة ذاتية أو تقسيم، إذ يعتبر الأميركيون أن ذلك سيؤدي إلى فوضى كبيرة على مستوى المنطقة لا يمكن لأحد أن يعرف مآلاتها أو نتائجها كما إن بإمكان هذه الموجات من الفوضى أن تمتد وتتوسع. لذلك تبرز دوماً في البيانات الأميركية مواقف واضحة حول الحفاظ على وحدة سوريا مثلاً، وإقناع قوات سوريا الديمقراطية بالاندماج في الدولة السورية، وهذا أيضاً ما تشدد عليه كل من السعودية وتركيا في سوريا، كما تتطابق المصالح الاستراتيجية التركية السعودية مع مصر في السودان أو الصومال أو اليمن.
الاستثمار في التظاهرات
ذلك أيضاً لا بد له أن ينعكس على واقع إيران، إذ لن يكون بمقدور أي طرف أن يتحمل دخول إيران في حالة من الفوضى أو الانهيار التي قد تنجم عن سقوط النظام الإيراني، فواشنطن لا تريد ذلك وليس من مصلحتها ومصلحة دول المنطقة خصوصاً في حال عدم توفر بديل واضح وقادر على الإمساك بزمام الأمور في البلاد والحفاظ على وحدتها، لا سيما إذا كان هناك اتجاهات نحو صراعات تأخذ بعداً قومياً أو عرقياً، وفي المداولات الدولية والإقليمية حول الوضع في إيران، فإن واشنطن تبلغت من دول عديدة بأن انهيار إيران لن يكون في صالح دول المنطقة مطلقاً.
إسرائيل هي إحدى أكثر الدول التي تسعى إلى مواجهة كل الدول الكبرى والتي تعتبرها مواجهة أو منافسة لها. وحتى وإن سعت تل أبيب إلى الاستثمار في التظاهرات والتحركات الشعبية في إيران، إلا أنها لن تكون قادرة على تحمل دخول إيران في حالة من الفوضى، لذا فهناك تهيب إسرائيلي من سقوط النظام الإيراني والخوف من البديل. هناك في إسرائيل من يعتبر أن تركيا ستكون هي المستفيدة من انهيار النظام في إيران والفوضى هناك، خصوصاً أن تركيا ومنذ سنوات تعمل على المراكمة في الداخل الإيراني من خلال علاقات مع مكونات مختلفة. لذلك الفكرة الأساسية تبدو مرتبطة بالحفاظ على النظام ولكن مع إحداث تغيير كبير من داخله لتغيير الوجهة السياسية للنظام على الساحة الدولية. وهذه فكرة تبدو واردة جداً لدى الأميركيين، وتقتنع بها دول الخليج أيضاً الذي تدفع بهذا الاتجاه على قاعدة منع حصول فوضى كبرى تكون لها انعكاسات وتداعيات على المنطقة ككل وتسهم في ضرب الاستقرار بشكل كامل.
كل المساعي من داخل إيران ومن دول الجوار مع الولايات المتحدة لتأمين هذا التغيير وسط تنافس بين مجموعات متعددة، أبرزها الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي، مقابل الرئيس السابق حسن روحاني ووزير خارجيته محمد جواد ظريف. ذلك كله يندرج في إطار الدفع نحو تغيير الوجهة السياسية لإيران ولكن من دون حصول انهيار كبير وفوضى. ذلك أيضاً ما حصل في سوريا، بعد سقوط نظام بشار الأسد، حيث اجتمعت القوى الإقليمية والدولية على مبدأ حماية وحدة سوريا والتعامل بواقعية مع الرئيس السوري أحمد الشرع الذي غير الوجهة السياسية لسوريا على نحوٍ كامل، وهذا المسار مستمر من خلال الاهتمام الأميركي، السعودي، التركي، القطري ومن دول كثيرة بضرورة حماية وحدة سوريا، وهذا ما يعطي دفعاً لدمشق في التعامل مع الملف شمال شرق سوريا، أو الساحل أو الجنوب، وبينما كانت إسرائيل تسعى إلى الاستثمار بهذه النزاعات السورية وتغذيتها لإضعاف دمشق، إلا أنه من الواضح وجود مسار دولي لا يزال يهتم بضمان وحدة سوريا التي غيرت وجهتها السياسية والمطلوب هو توفير الاستقرار والمصالح الاستراتيجية للدول انطلاقاً من الحفاظ على وحدتها.
ما يسري على سوريا يسري على لبنان أيضاً، والذي يتجدد فيه شعار “أكبر من أن يبلع وأصغر من أن يقسم”. لذا فإن التركيز الدولي كله ينطلق من البحث عن صيغة سياسية تضمن الانتقال إلى حالة سياسية جديدة من دون الدخول في فوضى أو صراع أهلي داخلي، بل من خلال توفر رعاية دولية تعمل على توفير ضمانات لكل القوى والمكونات للانخراط في إعادة تشكيل السلطة بما يضمن حقوق الجميع ويحفظ أدوارهم ومشاركتهم السياسية بعيداً عن منطق العزل أو الاختزال، وهذا ما سيكون لبنان على موعد معه في الفترة المقبلة من خلال زيارات دبلوماسية ولقاءات دولية تسعى إلى إقناع الجميع بضرورة التماشي مع المتغيرات القائمة.
أخبار متعلقة :