كتب حسين زلغوط في “اللواء”:
تحمل زيارة الموفد الفرنسي جان إيف لودريان إلى بيروت، المقرّرة االيوم، أكثر من دلالة سياسية وأمنية في لحظة إقليمية دقيقة، حيث تتقاطع الملفات اللبنانية الداخلية مع تحوّلات مقلقة على جبهة الجنوب، ومع فتورٍ متصاعد في العلاقات الفرنسية – الإسرائيلية على خلفية دور باريس في قوات الطوارئ الدولية العاملة في جنوب لبنان «اليونيفيل»، وانزعاج إسرائيل من دور هذه القوات التي تتهمها بإسقاط أكثر من «مسيّرة» لها في الجنوب الى جانب سعيها إلى إبعاد فرنسا عن المشاركة في لجنة «الميكانيزم» التي كان يفترض بها أن تنظّم الترتيبات الميدانية وتواكب تثبيت الاستقرار على الحدود.
لا تأتي الزيارة بوصفها محطة بروتوكولية أو استطلاعية، بل كتحرك محسوب في توقيته وأهدافه، يندرج ضمن محاولة فرنسية للحفاظ على موطئ قدم فاعل في معادلة الجنوب، ومنع تهميش دورها لصالح مقاربات أحادية تُدار من خارج الإطار الدولي. فباريس، التي لطالما قدّمت نفسها كجسر بين الأطراف، ترى أن أي خللا في توازن الأدوار داخل «اليونيفيل» أو في آليات التنسيق الميداني سيقود حتماً إلى مزيد من الانفجار، ويقوّض ما تبقّى من خطوط ضبط الاشتباك.
في المقابل، تتعامل إسرائيل مع الدور الفرنسي بنظرة متحفّظة، لا بل متشدّدة في الآونة الأخيرة. فتل أبيب تعتبر أن باريس تُبدي مرونة سياسية أكثر من المرغوب إسرائيلياً، سواء في مقاربتها لمسائل الاشتباك، أو في دفاعها عن قواعد الاشتباك الدولية، أو في تمسّكها باستقلالية «اليونيفيل» عن الضغوط الميدانية. هذا التباين ترجم فتوراً واضحاً في القنوات السياسية، ورفع منسوب التوتر الدبلوماسي، وصولاً إلى محاولات لإعادة هندسة «الميكانيزم» بما يقلّص الدور الفرنسي أو يحاصره، وهذا ظهر واضحا في الاجتماع الأخير لهذه اللجنة.
إن زيارة لودريان إلى بيروت تُقرأ من زاوية تثبيت الحضور الفرنسي في لحظة اختبار، وإعادة تأكيد التزام باريس بالقرار الدولي وباستقرار الجنوب، بالتوازي مع نقل رسائل واضحة إلى الداخل اللبناني حول ضرورة تحصين المؤسسات والتعاون الكامل مع «اليونيفيل»، وعدم الانجرار إلى مسارات قد تفتح الباب أمام تدويلٍ انتقائي أو تفويضٍ أمني خارج الإطار المتفق عليه.
يقول مصدر سياسي مطّلع ان زيارة الموفد الفرنسي في هذا الوقت تندرج في سياق البحث عن مظلة سياسية تُخفف من ضغط الجنوب، وتُعيد الاعتبار للدور الدولي المتوازن. فبيروت، الواقعة تحت ضغط الحرب المحتملة، تدرك أن أي إضعاف لدور فرنسا داخل «اليونيفيل» لن يكون في مصلحتها، إذ سيؤدي إلى اختلال في التوازن داخل القوة الدولية، وربما إلى تشديد قواعد عملها أو إعادة تعريف مهامها بما يضع لبنان أمام وقائع جديدة.
وفي رأي المصدر ان زيارة لودريان لا تنفصل عن المشهد الإقليمي الأوسع، حيث تتشابك الملفات، وتُعاد صياغة الأدوار الدولية على وقع التصعيد والتهديد بالتوسّع. ففي هذا المناخ، تسعى باريس إلى لعب دور «صمّام الأمان»، مستندة إلى علاقاتها التاريخية بلبنان، وإلى حضورها العسكري والسياسي في الجنوب، وإلى قدرتها على التواصل مع مختلف الأطراف. غير أن هذا الدور بات مهدّداً بمحاولات إقصاء ممنهجة، ترى فيها فرنسا استهدافاً مباشراً لمبدأ العمل المتعدد الأطراف.
وهو يؤكد أن فتور العلاقات الفرنسية – الإسرائيلية لا يقتصر على الجانب التقني المرتبط بـ«اليونيفيل»، بل يعكس تبايناً أعمق في الرؤى السياسية. فباريس ترفض مقاربة الأمن بالقوة المجردة، وتدعو إلى معالجة جذور التوتر عبر مسارات سياسية متوازية، فيما تميل إسرائيل إلى فرض وقائع ميدانية وتوسيع هامش حركتها العسكرية، حتى لو جاء ذلك على حساب الشراكات الدولية.
من هنا، يحمل لودريان في جعبته أكثر من رسالة: رسالة دعم للبنان في تمسّكه بالشرعية الدولية، ورسالة حزم في الدفاع عن دور فرنسا داخل «اليونيفيل» و«الميكانيزم»، ورسالة تحذير من مغبة تفريغ العمل الدولي من مضمونه، لما لذلك من تداعيات مباشرة على الاستقرار الإقليمي.
كما يُتوقع أن تتناول محادثاته في بيروت ملف التنسيق بين الدولة اللبنانية والقوة الدولية، وسبل تعزيز هذا التنسيق في ظل الضغوط المتزايدة، إضافة إلى مقاربة المرحلة المقبلة في الجنوب، في حال استمر التصعيد أو فُرضت وقائع جديدة. ففرنسا، التي تدرك حساسية اللحظة، تحاول استباق السيناريوهات الأسوأ عبر تحصين الأطر القائمة، لا عبر القفز فوقها، كما انه لا يمكن فصل زيارة لودريان عن الجهود الفرنسية لعقد مؤتمر دولي لدعم الجيش اللبناني، في محاولة لملء الفراغ.
وفي اعتقاد المصدر ان زيارة لودريان اليوم الى بيروت تشكّل اختباراً لمدى قدرة فرنسا على الصمود في وجه محاولات الإبعاد والتهميش، ولقدرة لبنان على الاستفادة من هذا الحضور الدولي لحماية استقراره الهش، وبين فتور باريس – تل أبيب وسخونة الجبهة الجنوبية، يبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كانت الدبلوماسية قادرة على ترميم الشرخ، أم أن منطق القوة سيفرض إيقاعه على حساب الجميع؟
أخبار متعلقة :