خبر

اللبنانيون في رمضان والصوم الكبير: بين الإيمان والغلاء

كتب طارق أبو زينب في “نداء الوطن”:

يجتمع اللبنانيون على الصوم والصلاة، كلّ بحسب تقليده، في مشهد يعكس وحدة الإيمان والرجاء. هذه المناسبة الروحية المزدوجة تشكّل فرصة للتوبة والتكافل وتعزيز التضامن الاجتماعي، ودعوة صادقة للشعور بوحدة المجتمع رغم اختلاف الطقوس .

لكن هذا العام، لم يعد الصوم مجرّد امتناع عن الطعام والشراب، بل تحوّل إلى اختبار مزدوج: صوم روحي في مواجهة صوم قاسٍ تفرضه الظروف المعيشية. في صيدا وشرقها والجوار، يجد المواطن نفسه مضطرًا للصوم عن رفاهية الشهر، وعن القدرة الشرائية، وسط ارتفاع الأسعار والضرائب الجديدة. تجربة الصوم باتت معركة يومية تتجاوز بعدها الإيماني لتلامس كرامة العيش .

صيدا تعكس بشكل واضح، واقع لبنان بأكمله. شهر الصوم الذي كان رمزًا للعطاء، أصبح امتحانًا لقدرة المواطن على التوفيق بين التزامه الروحي وتأمين احتياجات عائلته. بين مائدة متواضعة وفاتورة متضخمة، يقف اللبناني حائرًا: كيف يحافظ على طقوسه من دون أن يرهقه الغلاء؟

الضرائب الجديدة: عبء إضافي

قرار مجلس الوزراء برفع الضريبة على القيمة المضافة من 11 % إلى 12 %، وزيادة سعر صفيحة البنزين بـ 300 ألف ليرة، جاء في وقت لا يحتمل فيه المواطن أي أعباء إضافية. هذه الإجراءات تُضاف إلى أزمة مستمرة منذ عام 2019، تسببت بانهيار العملة، واحتجاز الودائع، ورفع الدعم عن السلع الأساسية. وتشير التقديرات الرسمية إلى خسائر تناهز 70 مليار دولار، فيما يرى خبراء أن الواقع يتجاوز ذلك بكثير .

انعكاس هذه القرارات مباشرة على الحياة اليومية: من تكلفة إفطار بسيط إلى مستلزمات السحور، ومن النقل إلى الكهرباء والمياه. الصوم لم يعد فقط عبادة، بل أصبح إدارة يومية لأزمة مالية خانقة.

صيدا مدينة رمضانية

رغم الأزمات، لا تزال صيدا تحافظ على طابعها الرمضاني المميّز، محافظة على تراثها العريق وروحها الاجتماعية التي تجتمع فيها العائلات والجيران. من ساحة باب السراي إلى ساحة ضهر المير، وصولًا إلى خان الأفرنج، تستعيد المدينة نبضها مع فعاليات “صيدا مدينة رمضانية”. الأمسيات الفنية والثقافية المجانية، السوق الرمضانية للمأكولات الشعبية، مهرجان الحرف اليدوية، وبرامج التراث والفنون المحلية، تشكّل متنفسًا حقيقيًا للسكان والزوار على حدّ سواء، وتمنحهم فرصة للقاء والتواصل، بعيدًا من ضغوط الحياة اليومية .

الإصرار على المشاركة، رغم الضغوط المالية والاقتصادية، يعكس تمسّك الأهالي بروح الشهر كمساحة فرح، ويؤكد أن المدينة قادرة على تحويل الصعوبات إلى مناسبة للتلاقي الاجتماعي والاحتفال الجماعي، خصوصًا في ظل الاعتداءات الإسرائيلية اليومية على الجنوب، ما يجعل هذه الفعاليات رمزية أكثر من كونها مجرد ترفيه.

بين الروح والقدرة الشرائية

يؤكد نائب رئيس بلدية صيدا، أحمد عكرة، لـ “نداء الوطن” أن الضرائب الأخيرة وجّهت ضربة مباشرة إلى القدرة الشرائية، وأثرت سلبًا على العائلات وحملات الإفطار الخيري التي تعتمد على تبرعات الأهالي. ويشير إلى أن المدينة، رغم تراجع النشاط الاقتصادي وبطء حركة الأسواق، تسعى للحفاظ على دورها الاجتماعي والإنساني .

ويضيف أن التراث الرمضاني لا يزال حاضرًا بقوة، من الأمسيات الممتدة حتى الفجر إلى المسيرات الكشفية، ما يعكس عمق الارتباط الديني والاجتماعي لأبناء المدينة. ورغم هذا الحضور المميّز، لا يمكن تجاهل الضغوط القاسية التي تثقل كاهل الناس.

بين الإيمان والاختبار

من جهته، يشدّد عضو المجلس البلدي عامر معطي على أن شهر رمضان والصوم الكبير في لبنان هذا العام ليسا مناسبة روحية فحسب، بل اختبار لصلابة المجتمع. في صيدا، كما في سائر المناطق، يحاول اللبناني الحفاظ على طقوسه وعلى كرامته في آن واحد. وبين مائدة متواضعة وأمل كبير، يصرّ الناس على أن يبقى الشهر مساحة لقاء ووحدة وتضامن .

صيدا اليوم ليست مجرد مدينة تحتفل، بل مدينة تقاوم. روحانية تتحدى الغلاء، وإيمان يرفض أن يتحوّل إلى ضحية للأزمة. وفي زمن الانهيار، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تواكب السياسات الاقتصادية صمود الناس، أم يبقى اللبناني يصوم عن العدالة كما يصوم عن الطعام؟

أخبار متعلقة :