كتب منير الربيع في”المدن”:
كأن لبنان، يعود إلى النصف الثاني من سبعينيات القرن الفائت. اجتياح إسرائيلي لجنوب الليطاني يمكن أن يتوسع أكثر. حرب أهلية، تبرد حيناً، لكنها متفجرة أحياناً. كلام عن دور سوري أو تدخل لصالح طرف على حساب الآخر، أو في مواجهة طرف لبناني. انقسام اللبنانيين بشكل عمودي ينذر بانفجار سياسي، اجتماعي، أمني وعسكري في أي لحظة. التاريخ يعيد نفسه في لبنان على شكل مأساة. لبنان مجدداً على شفير انفجار. للمفارقة أنه بعد كل حرب إسرائيلية، كان لبنان يدخل في أزمة سياسية داخلية أو في شكل من أشكال الحرب الأهلية، منذ اجتياح العام 1982، وفرض وقائع سياسية جديدة ترجمت باتفاق 17 أيار 1983، والانقلاب عليه في 6 شباط 1984. حرب العامي 1993 و1996 كان لها انعكاساتها على التوازنات الداخلية في الانتخابات النيابية والرئاسية، أما حرب عام 2006، فكرست شرخاً لبنانياً عميقاً وتحركات لحزب الله ضد الحكومة في الساحات والمناطق المختلفة وصولاً إلى أحداث 7 أيار وفرض تغيير الموازين السياسية بالقوة العسكرية.
كل هذه المشاهد والأحداث، أو ما يرتبط بها أو يشبهها، يستفيق اليوم في ذاكرة اللبنانيين، يقيم في وعيهم أو لا وعيهم، ويوقظ مخاوف وشياطين من الحرب، نتائجها وتداعياتها، وكيفية انعكاسها على الوضع الداخلي. درجت التجربة اللبنانية بأن يراهن مكون أو أكثر على متغيرات إقليمية ودولية لتغيير المعادلة الداخلية وتجييرها لصالحه وصالح حساباته وطموحاته، وغالباً ما كان ذلك يصطدم بصراع داخلي واحتراب أهلي، قبل أن ترسو تسوية معينة بموازين قوى راجحة لصالح ذاك الطرف مع استلحاق للطرف الآخر، إلى أن تتجدد الرهانات على المتغيرات فيتجدد الاحتراب لتغيير الموازين.
يواجه لبنان اليوم خطرين. خطر الحرب الإسرائيلية وتداعياتها وما ستنتجه من متغيرات جغرافية، ديمغرافية، وسياسية على مستوى البلد. وخطر الانفجار الداخلي الذي أصبح قريباً أكثر من أي وقت سابق. إذ إن حجم الاحتقان بلغ مراحل متقدمة جداً، والصراع السياسي في أوجه وهو على وجهة البلاد وشكلها وتركيبتها، في ظل تحد حقيقي للحفاظ على وحدتها وكيانها. المشهد اليوم يفوق مشهد العام 2006 خطورة، وقد فتحت المعركة باكراً، من قبل حزب الله، كما ورد على لسان محمود قماطي والاستعداد للانقلاب على الحكومة وتغيير التوازنات، أو من قبل خصومه الذين يريدون محاسبته ومحاكمة قياداته وزجهم في السجون، وتبقى هذه كلها حسابات سياسية، لا تلحظ مطلقاً التداعيات الخطرة للحرب على المستوى الاجتماعي والاقتصادي والانساني والمؤسساتي والديمغرافي، في ظل إصرار إسرائيل على تدمير قرى الخط الأمامي بالكامل، وخلق منطقة عازلة ما يعني منع سكان جنوب الليطاني من العودة إلى قراهم ومنازلهم، وهو ما سيشكل عنصر ضغط هائل على المناطق الأخرى أو “البيئات” الأخرى التي بدأت تستنفر خوفاً من تغيير معالم مناطقها.
بعد اجتياح عام 1982، وانتفاضة 6 شباط في عام 1984، دخلت بيروت مرحلة جديدة تحت سيطرة الحزب التقدمي الإشتراكي وحركة أمل، خصوصاً بعد المعارك التي خيضت ضد المرابطون. يومها قال زعماء بيروت بما فيهم الرئيس الراحل صائب سلام إن بيروت أصبحت تحت حكم الميليشيات، وقرر اعتزال السياسة ومغادرة لبنان. علماً أن بيروت الغربية يومها كانت بمختلف مكوناتها أو المقيمين فيها في إطار مشروع ذي توجه واحد على المستوى السياسي، لكن المعركة انفجرت من الداخل. على وقع تلك المتغيرات، اعتبر أهل بيروت أن المدينة لم تعد لهم، وأنها تعرضت لغزو سكاني وعمراني من قبل أبناء الجنوب بالتحديد، والذي أقاموا على مدى سنوات وعقود في مناطق محيطة بها أو في صلب أحيائها حتى شكلوا أكثرية سكانية فيها.
اليوم وبفعل الحرب الإسرائيلية والتهجير الممنهج الذي تعتمده إسرائيل، للجنوب والضاحية، يتهجر أبناء هذه المناطق ويلجؤون إلى بيروت، على وقع اعتراضات بدأت تبرز في المدينة، وأصوات تتعالى خوفاً من تغيير ديمغرافي جديد. بدأت المشكلة من غرب بيروت والتي جرى البحث عن حلّها عبر اعتماد المدينة الرياضية كمركز إيواء. فانتقلت المشكلة إلى شرق بيروت، إثر اعتماد منطقة الكرنتينا كمركز لجوء، وهو ما اعترضت عليه قوى سياسية واجتماعية عديدة تطالب بوقف العمل في تجهيز هذا المكان، لما يعتبرونه يثير مخاوف أمنية وديمغرافية، أولاً لجهة قرب المنطقة من مرفأ بيروت، وثانياً لما يعتبره البعض أنه يقع على نقطة حساسة تربط منطقة الأشرفية بالمتن وكسروان.
كل هذه المشاهد لا تدل إلا على استعادة مصطلحات وصور، تنتمي إلى الحرب الأهلية. حرب يخاف اللبنانيون العودة إليها، لكن احتقان النفوس قد يدفع لانفجارها، وإن كانت حرب إسرائيل على لبنان طويلة، وهدفها تغيير كل الموازين والوقائع، فإن ما يتبقى من لبنان يمكن لأبنائه أن يفجروه أو يجهزوا عليه.
أخبار متعلقة :