خبر

هل يمكن فعلاً عزل المسارين الإيراني واللبناني؟

كتب انطوان اسمر في “اللواء”:

يشكّل النقاش الدائر في إمكان الفصل بين المسارين اللبناني والإيراني مدخلاً أساسياً لفهم التحوّلات الجارية في موقع لبنان ضمن معادلة إقليمية شديدة التعقيد، باعتباره بات جزءاً عضوياً من شبكة تفاعلات تتداخل فيها الاستراتيجيات الكبرى مع الوقائع المحلية.

تبرز، في هذا السياق، المقاربة الداعية إلى فكّ هذا الترابط كمحاولة لإعادة إنتاج دور لبناني أكثر استقلالية، وإن ضمن هامش محدود تفرضه موازين القوى، لا سيما في ظل احتدام التنافس الدولي على إعادة رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط.

يرتكز جوهر هذه المقاربة على هاجس مزدوج:
-أولاً، الحدّ من انعكاس أي تفاهمات إقليمية على الداخل اللبناني بصورة تعزّز موقع حزب الله.
-وثانياً، إعادة الاعتبار إلى مفهوم الدولة كمرجعية سيادية وحيدة.
أظهرت التجارب أن لبنان غالباً ما كان يتلقّى نتائج التسويات الكبرى من دون أن يكون شريكاً فعلياً في رسمها، مما جعله عرضة لإعادة تشكيل توازناته الداخلية تبعاً لمصالح خارجية. لذلك، صار السعي إلى الفصل بمثابة إعادة تموضع استراتيجي تهدف إلى تقليص قابلية الداخل اللبناني للتأثر المباشر بالصفقات الإقليمية.
يصطدم هذا الطرح بواقع بنيوي معقّد، يتمثل في الطبيعة المركّبة لحزب الله، الذي يتجاوز كونه فاعلاً داخلياً ليشكّل امتداداً استراتيجياً لإيران. لا يقتصر هذا التشابك على البُعد العسكري، بل يشمل أيضاً شبكات النفوذ السياسي والاقتصادي والاجتماعي، مما يجعل أي محاولة للفصل الكامل أقرب إلى مسار تراكمي طويل الأمد، وليس قراراً قابلاً للتنفيذ الفوري. لذا، يصبح أقصى ما يمكن تحقيقه في المدى المنظور هو تخفيف حدّة الترابط وإعادة تنظيمه، بما يحدّ من انعكاساته المباشرة على القرار الداخلي.

في موازاة ذلك، يكتسب الحديث عن صفقة أميركية – إيرانية محتملة بعداً حاسماً في تحديد اتجاهات المرحلة المقبلة. إذ إن أي تفاهم بين واشنطن وطهران لن يبقى محصوراً بإطاره الثنائي، بل سينعكس حكماً على مساحات النفوذ، في مقدّمها لبنان. ويُرسم، في هذا الإطار، سيناريوان رئيسيان:
1-الأول يتمثّل في نجاح مسار التفاهم، مما قد يقود إلى إعادة ضبط السلوك الإقليمي لإيران ضمن مقاربة أكثر براغماتية. في هذه الحال، يُرجّح بروز انتقال من منطق الاشتباك المفتوح إلى إدارة مدروسة للصراعات، حيث تُخفّف حدّة التوترات من دون أن تُلغى أدوات النفوذ. قد يعني ذلك للبنان تراجعاً نسبياً في مستوى التصعيد، وفتح نافذة أمام استئناف المسارات الديبلوماسية، سواءٌ في ملف ترسيم الحدود أو في تثبيت قواعد اشتباك أكثر استقراراً.

غير أن هذا الهدوء لن يكون مرادفاً لتحوّل جذري في موازين القوى. إذ قد يترافق إيرانياً مع إعادة توظيف حزب الله كأداة تفاوضية أكثر انضباطاً، ضمن سقوف محددة تخدم الاستراتيجية الإيرانية الجديدة. بذلك، لا يتراجع دور الحزب بقدر ما يُعاد تموضعه، مما يفرض على الدولة اللبنانية تحدياً مضاعفاً: الاستفادة من مناخ التهدئة دون الوقوع في وهم استعادة سريعة للسيادة الكاملة.
2-أما الثاني، فيرتبط بفشل التفاهم أو بقائه في إطار المناورات السياسية. عندها، يعود التصعيد ليحكم المشهد، ويتحوّل لبنان مجدداً إلى ساحة لتبادل الرسائل بين القوى الكبرى. في هذا السياق، تزداد احتمالات الانزلاق نحو مواجهات محدودة أو موسّعة، ويُعاد تفعيل أدوات الضغط العسكرية والأمنية، مما يكرّس الهشاشة البنيوية للدولة.

لا يُخفى أن تعزيز الموقع التفاوضي للدولة يتطلب إعادة بناء الحد الأدنى من التماسك الداخلي، ورسم رؤية وطنية موحّدة تحدد أولويات السياسة الخارجية، والاستفادة من أي هامش إقليمي متاح من دون الارتهان له. إلا أن هذه المهمة تصطدم بمعضلة مزمنة، تتمثل في غياب توافق داخلي حول تعريف المصلحة الوطنية، وفي استمرار الانقسام حول دور حزب الله وحدود علاقته بإيران.
كما لا يمكن إغفال دور العوامل الدولية، سواءٌ المرتبطة بالموقف الأوروبي أو بحسابات القوى الصاعدة، والتي قد تؤثر بدورها في شكل التسويات المقبلة. فلبنان، بحكم موقعه الجيوسياسي، يبقى عرضة لتقاطعات تتجاوز الثنائية الأميركية – الإيرانية، مما يزيد من تعقيد قدرته على المناورة المستقلة.

أخبار متعلقة :