كتبت جومانا زغيب في “نداء الوطن”:
تقول أوساط دبلوماسية غربية في بيروت، إن الوضع اللبناني لا يمكن فصله عن المشهد الإقليمي بل إنه بات يرتبط ارتباطًا وثيقًا ليس بتطورات في المنطقة فحسب، بل بالتطورات الدولية أيضًا، وبالتالي لا يمكن الاكتفاء بقراءات ضيقة محليًا، بل ينبغي النظر إلى لبنان كجزء من معادلة مقبلة لن تستثني أحدًا في المسار التغييري، ولن تترك أي نقطة ضعف أو أي ثغرة خلافًا لما تراهن عليه إيران و”حزب الله”.
وتوضح الأوساط أن التوجه الأميركي الذي يقوده الرئيس دونالد ترامب شخصيًا، ليس إلى تراجع بل يندرج في إطار إعادة رسم معالم المنطقة وفق رؤيته الخاصة تحت عنوان، التطبيع وفرض ما يمكن تسميته بالـ PAX AMERICANA أي السلام الأميركي على غرار ما عرف بالـ PAX ROMANA أي السلام الروماني، عندما نجح الأمبراطور أوغسطس قيصر في فرض سلام راسخ وطويل بدءًا من العام 27 قبل الميلاد وحتى العام 180 بعد الميلاد، وهي فترة تميزت بازدهار اقتصادي وتجاري كبير وبنى تحتية متطورة في حينه، وشبكات مواصلات واسعة ضمن حدود آمنة واستقرار شامل. وهذا بالتمام ما يسعى إليه الرئيس الأميركي، لأن رهانه الأول مالي اقتصادي في ظل استقرار أمني وتطبيع سياسي.
وتشير إلى أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية لن تبقى بهذه الصفة “الصافية” على الأرجح بعد فترة معينة ولو تأخرت، وسيكون التغيير حتميًا بمعزل عن الطريقة، لكن الأكيد أن لا عودة إلى الوراء، وبالتالي، فإن إيران ستبقى لكنها ستكون إيران جديدة.
ولا يمكن أن يكتمل السلام الأميركي إذا تُركت أي ثغرة في خارطة المنطقة، وهذا يعني أن “الجرّافة” الأميركية لن تقف عند تفاصيل معينة. ففي سوريا يحظى الرئيس أحمد الشرع بدعم أميركي كامل، على قاعدة مفادها أنه “يمكنك الاحتفاظ بالسلطة وستكون بمنأى عن أي تهديدات من خارج الأكثرية السنيّة مع الأخذ في الاعتبار بعض الخصوصيات، مقابل التسليم بالنفوذ الأميركي وبالتفاض مع إسرائيل بهدف تحقيق السلام والاستقرار، وحاجات إسرائيل الأمنية واحتفاظها بنفوذ معين غير مباشر في المناطق المحاذية للجولان. وهذا ما فهمه الرئيس الشرع، ولم يفهمه كثيرًا الأكراد في سوريا، وتحديدًا قيادة “قسد” التي يعتبر ترامب أنها حصلت على الكثير من النفوذ والسلطة والموارد والفرص، لكنها فشلت في بلورة دور شريك جدي مع السلطة السورية الجديدة، وتاليًا لا يبقى لها إلا ترتيب العلاقة مع الشرع مع ضمانات معينة تؤمن لها شراكة نسبية في السلطات المحلية في مناطق تواجدها.
والمغزى من ذلك، أن الخيارات في المنطقة هي وفق معادلة “إما التسليم بالواقع وإما التسليم بالواقع” ولا خيار آخر، وهذا الأمر ينطبق تمامًا على حركة “حماس” في غزة، وعلى “حزب الله” في لبنان.
وتشمل المظلة الأميركية بالطبع العراق الذي بدأ يتماهى معها عمليًا على الرغم من بعض التجاذب مع السلطات الإيرانية، وصولًا إلى فرض الحل على الحوثيين بما يحافظ على دور معين لهم ضمن ضوابط صارمة، لا سيما وأن اعتراف إسرائيل بـ “جمهورية أرض الصومال” يندرج في إطار المسار الأميركي، بحيث يتم تعزيز الإمساك بباب المندب ومداخل البحر الأحمر وتشديد الخناق على الحوثيين حتى التسليم بالواقع.
وتتوقع الأوساط أن يتأثر لبنان بقوة بالتطورات الإقليمية بخلفيتها الدولية، لا سيما وأن ترامب يعمل على مسار تغييري ثان تحت عنوان “مجلس السلام العالمي”، بما يشكل قوة ضاغطة إضافية تعوّض العجز أو التردد الذي يطبع أداء مجلس الأمن الدولي المقيّد بالفيتوات.
أما في ما يتعلق بالتداعيات المحلية تفصيلًا، فإن الحكم في لبنان بقيادة الرئيس العماد جوزاف عون رفع سقف أدائه حيال مسألة استعادة سيادة الدولة قرارًا وأمنًا، وفي هذا السياق، تبدي قيادات سيادية ارتياحها الكبير لمواقف الرئيس عون الأخيرة والتي تندرج في إطار تشاور وطني وسياسي واسع لتأمين أسباب قوتها وحصانتها، بل إن رئيس الجمهورية تقدم كما يبدو في طروحاته على رئيس الحكومة بعدما بدا العكس لفترة.
وفي ما خص رئيس المجلس النيابي نبيه بري، فهو بحسب المعطيات المتوافرة ما زال يعتمد على المناورة ويراهن على تسجيل بعض النقاط لحفظ ماء الوجه، سواء بالنسبة لقانون الانتخاب أو لبعض التعيينات، علمًا أن عون يحرص على التواصل الدائم معه والوقوف على رأيه، ليس لتغيير مسار الحكم والحكومة بل لتدوير بعض الزوايا. ومن الواضح أن رئيس المجلس يستشعر جيدًا ثقل التحديات في هذه المرحلة، وقد أوفد للمرة الثانية خلال أشهر قليلة موفدًا آخر إلى إيران ليقول للإيرانيين ما مفاده “رجاء كفى مناورات ندفع ثمنها غاليًا ولم يعد في وسعنا تحمّل المزيد، ما نريده أن تريحوا الساحة اللبنانية وتطلبوا من “الحزب” أن يهدأ ويلتزم المسار التصالحي مع الدولة، خصوصًا وأنني موجود وسأحرص على ترتيب الأمور وفق الإخراج اللائق الممكن”.



