أيًّا كانت مآلات الأحداث والمواجهة الكبرى بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، وشكل المنطقة في الأيام الآتية، فإن لبنان سيبقى رهينة قرار الانتحار الذي اتخذه “حزب الله”، ما لم تنفذ الدولة اللبنانية قراراتها بنزع سلاحه واعتباره خارجًا عن القانون. فمن الخزي والعار أن تنظيمًا مؤدلجًا، ذا سجلّ أسود ملطخ بالدماء والاغتيالات ويأتمر مباشرة بأوامر “الحرس الثوري”، يتحكّم بمصير اللبنانيين ويجرّهم إلى الويلات والحروب.
فـ “الحزب” القائم على عقيدة الموت، أثبت عقمه تجاه كل المبادرات السياسية والدبلوماسية؛ فخطابه لا يدرك مفهوم المصالح الوطنية، ولا تقيم أدبياته وزنًا لقيم المواطنة والإنسانية التي تظل غريبة تمامًا عن طبيعته وتكوينه.
على الرغم من عجز الدولة اللبنانية عن بسط سيادتها أقله على المناطق الآمنة المناهضة لـ “الممانعة” وحروبها، منعًا لتكرار مأساة عين سعادة التي ودّع فيها لبنان بالأمس الضحايا بيار معوض وزوجته فلافيا ورولا مطر، لا تزال السلطة الشرعية تتمسّك بخيار الدبلوماسية. هذا ما شدد عليه رئيس الجمهورية جوزاف عون أمس، أن مبادرته التفاوضية اكتسبت تأييدًا دوليًّا “كونها الطريق السليم للوصول إلى الحل، خصوصًا وأن لبنان عقد اتفاقات سابقًا مع إسرائيل على غرار اتفاق الهدنة واتفاقية الترسيم البحري”.
في هذا السياق، علمت “نداء الوطن” أن الاتصالات التي يجريها الرئيس عون بالأميركيين، إضافة إلى زيارة السفير الأميركي ميشال عيسى إلى واشنطن، نجحت في إعادة الاهتمام بالملف اللبناني داخل الإدارة الأميركية بعدما كان سُحِب إلى غرف التجميد. وقد تجلى هذا الاهتمام بتوجيهات وزير الخارجية ماركو روبيو لإعادة وضع لبنان على قائمة الاهتمام، بانتظار ما ستسفر عنه المرحلة المقبلة، لا سيما في ملف التفاوض المباشر حول تحييد البنى التحتية والمدنيين عن المواجهة بين إسرائيل و “حزب الله”. وفي غياب مؤشرات الحل السريع، يبرز التعنت الإيراني كعائق أساسي، حيث تستمر طهران في استخدام جبهة الجنوب لخدمة مصالحها، مانعةً “الحزب” من تسليم سلاحه والانخراط في حلول الدولة. في المقابل، تستمر الجهود الدولية بزيارة مرتقبة لنائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية البلجيكي لبحث تداعيات الحرب والأزمة الاقتصادية وتفاقم ملف النزوح المثقل بالتحديات الاقتصادية والمعيشية وحتى الأمنية.
الجيش يعزز حضوره داخليًّا
توازيًا، اعتبر رئيس الجمهورية أن “مسؤولية الحفاظ على الأمن في الداخل اللبناني في هذه الظروف، مشتركة وهي تتطلب التنسيق الكامل بين المواطنين والجيش والأجهزة الأمنية والبلديات”. ولفت خلال استقباله وفد “منتدى بيروت” برئاسة النائب فؤاد مخزومي، إلى أن “الوضع الأمني الحالي ممسوك ولا خوف من فتنة أو فلتان أمني داخلي”، معتبرًا أن ما يحصل من مشاكل، يبقى محدودًا وتتم معالجته بالسرعة اللازمة، إلا أن هناك من يركّز على الخوف من الفتنة المذهبية خدمة لمصالحه، ولكن الظروف الحالية مغايرة لما كانت عليه في السابق، فالوعي شامل من قبل الشعب والمسؤولين السياسيين والروحيين، لأن لا قدرة لأحد أن يحتمل الفتنة الداخلية”. وطمأن عون إلى أن الجيش الذي نفذ عملية إعادة انتشار في بيروت ومناطق أخرى عدة، سيكون أكثر حضورًا مع قوى الأمن الداخلي وباقي الأجهزة مع التشدد أكثر في فرض الأمن لطمأنة المواطنين الآمنين في منازلهم.
وبعد حملات تخوينية كبيرة وممنهجة من قبل بيئة “الممانعة” عبر وسائل التواصل الاجتماعي، شدد رئيس الجمهورية في موقف واضح وصريح على أنه لن يسمح في عهده باتهام أي مواطن صمد في قريته وبلدته بالعمالة أو الخيانة بمجرد أنه اختار الاستمرار في العيش في مسقط رأسه. ودبلوماسيًّا لفت إلى أن “الاتصالات تركز على الحصول على ضمانات بعدم استهداف معبر المصنع الحدودي الأساسي بالنسبة إلى لبنان وسوريا على حد سواء”.
معبر القاع بدل “المصنع”
في الإطار الحدودي، وبعد خروج “المصنع” من الخدمة، تحوّلت الأنظار سريعًا نحو معبر القاع جوسيه. وعلمت “نداء الوطن” أنه مع ارتفاع وتيرة تنقل المسافرين بين لبنان وسوريا، رفعت الأجهزة الأمنية اللبنانية والسورية من جهوزيتها للتعامل مع الضغط المتزايد، وبات معبر القاع عمليًا المنفذ البري الوحيد الذي يعمل بشكل كامل بين البلدين، في ظل العمل الجزئي في معبر العريضة.
رسالة بابوية إلى القرى الصامدة
وبينما سلكت تسهيلات العبور عند الحدود اللبنانية – السورية، لا تزال القرى الصامدة جنوبًا منفصلة عن العمق اللبناني. وفي حين تئن بلدة دبل المحاصرة تحت وطأة العزلة وتضاؤل مخزونها الغذائي والطبي، ما يهدد حياة الأهالي، تعذر وصول الموكب الكنسي وقافلة المساعدات الإنسانية إلى البلدة. إذ لم يتمكن الموكب، الذي ضمّ السفير البابوي باولو بورجيا، والمطران الياس نصار ممثلًا البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي، وراعي أبرشية صور المارونية المطران شربل عبدالله، والوفد المرافق، من بلوغ وجهتهم.
وفي التفاصيل التي حصلت عليها “نداء الوطن”، وصل الموكب إلى بلدة تبنين حيث واكبته قوة فرنسية من “اليونيفيل” انقسمت إلى فريقين: الأول لمرافقة القافلة، والثاني لاستكشاف الطريق وتأمينه؛ إلا أن اندلاع اشتباكات مفاجئة في محيط الفرقة المستكشفة أدى إلى إصابة جندي فرنسي. ومع استكمال القافلة طريقها من تبنين نحو دبل، تسللت سيارات مشبوهة إلى الموكب قبل أن تغادر المكان لاحقًا. وعند وصول الوفد إلى منطقة الطيري على بُعد دقائق من دبل رُصد إطلاق مقذوفات من مناطق مجاورة، مما أجبر الموكب على التراجع.
إلى ذلك، نقل السفير البابوي رسالة البابا لاوون الرابع عشر الذي عبّر فيها عن قربه الروحي من مسيحيي جنوب لبنان، ولا سيما أبناء بلدة دبل. وكانت الرسالة، الموقعة باسم البابا من قبل أمين سر دولة الفاتيكان الكاردينال بيترو بارولين، معدّة لإلقائها خلال زيارة راعوية إلى دبل، إلا أن تدهور الأوضاع الأمنية حال دون تنفيذها. في المقابل، يقوم البطريرك الراعي بزيارة راعوية اليوم إلى منطقة مرجعيون تشمل بلدات كوكبا، جديدة مرجعيون والقليعة.
أما ميدانيًّا، فتواصل القصف الإسرائيلي جنوبًا وبقاعًا، وشن الطيران الإسرائيلي غارات عنيفة على المنطقة الواقعة بين حاريص وحداثا في قضاء بنت جبيل، محاولًا في السياق ذاته الإطباق على مدينة بنت جبيل.
في الإطار الميداني، أعلنت “اليونيفيل”، أنه في وقت سابق من مساء أمس، احتجز الجيش الإسرائيلي أحد جنود حفظ السلام التابعين للبعثة بعد أن اعترض طريق قافلة لوجستية. وأوضحت البعثة أنه عقب اتصالات مباشرة وفورية من رئيس بعثة “اليونيفيل” وقائدها العام وفرع الارتباط التابع للبعثة، تم إطلاق سراح الجندي في أقل من ساعة.



