كتب نايف عازار في “نداء الوطن”:
تحمل انتقادات المبعوث الأميركي إلى العراق مارك سافايا للفساد المستشري في “بلاد الرافدين”، في طياتها، رسائل متعددة الأوجه، ومصوّبة في أكثر من اتجاه، وتأتي في توقيت بالغ الحساسية لا يمكن فصله عن سياق التطورات السياسية في بغداد، والأمنية في الإقليم.
لطالما صوّب مبعوث الرئيس الأميركي، ذو الجذور العراقية الأشورية، وابل سهامه نحو منظومة الفساد المتحكمة في العراق وحماتها، واعتبر أن بعض من يتبوأون أعلى المناصب في الدولة، ضالعون في هذا الفساد “حتى أخمص أقدامهم”، أو في أهون الأحوال يغطونه، لأن مصلحتهم السياسية وديمومة سلطتهم تقتضيان ذلك.
في تغريدات سافايا الأخيرة، جاء ما حرفيته “إذا كان لا بد من إصلاح العراق، فتجب مواجهة الفساد أولًا وبحزم. الميليشيات عَرَض، أما الفساد فهو المرض”. وأضاف المبعوث الأميركي أن شبكة الفساد شديدة التعقيد ومُنشأة عمدًا، وظلت نشطة لأكثر من عقدين، ونجحت في الالتفاف على القوانين والأطر الرقابية وآليات التدقيق الدولية. ومن خلال هذا النظام، وفق سافايا، تم تمكين الميليشيات المدعومة من إيران ماليًا وحمايتها واستدامتها.
ليس تفصيلًا أن يسمي مبعوث ترامب بالاسم “الميليشيات المدعومة من إيران”، وأن يقرن اسمها بمنظومة الفساد، في هذا التوقيت بالذات. فمن الناحية السياسية، يجهد “الإطار التنسيقي” المكوّن من الأحزاب السياسية الشيعية الفائزة في الانتخابات التشريعية العراقية الأخيرة، للاتفاق على اسم رئيس الحكومة العتيدة، وسط ضغوط أميركية مهولة لاستبعاد الأجنحة السياسية التي تمثل الفصائل العراقية الموالية لنظام الملالي في طهران، والتي ظفرت بمقاعد برلمانية لا بأس بها، من التشكيلة الوزارية. يعتبر صنّاع القرار في واشنطن أن فساد أزلام غريمتهم إيران في العراق، يعزز نفوذ طهران هناك وبالتالي في منطقة الشرق الأوسط، ويزيد من عدد أوراقها التفاوضية “الرابحة” على طاولة الكباش المستمر بين الإدارة “الترامبية” ونظام الملالي.
إذًا، تغريدات سافايا المنتقدة للفساد في العراق، لا ريب في أنها مغلّفة برسائل سياسية شديدة الوضوح للمعنيين، تزيد من وطأة الضغوط على مساعي “الإطار التنسيقي” الرامية إلى تسمية رئيس حكومة، ثمّ تشكيل هذه الحكومة. وهنا يجهد “الإطار” خلال رسم خريطته الحكومية الشائكة، إلى المواءمة بين إملاءات أولياء نعمته في طهران من جهة، وبين ضغوط مبعوث قائد سفينة “العمّ سام” إلى العراق من جهة ثانية، خصوصًا أن “بلاد الرافدين” أمست بعد عام 2003، تاريخ إسقاط نظام صدام حسين، ساحة ساخنة ومسرحًا ديناميكيًا لتقاسم النفوذين الأميركي والإيراني على حد سواء.
ضغوط سفايا ورسائله السياسية العابرة للمحيطات، التي أُطلقت من الولايات المتحدة، ستكون مؤشرًا يحدد بوصلة تعاطي قاطن البيت الأبيض وإدارته مع السلطة العراقية الجديدة، التي أفرزتها نتائج صناديق الاقتراع أخيرًا، والتي أظهرت جليًا أن إيران لم تحافظ فقط على نفوذها في العراق، بل صقلت هذا النفوذ، بواقع أن أذرعها السياسية عززت حضورها البرلماني.
يمكن كذلك إدراج مواقف المبعوث الأميركي المنتقِدة لفساد حلفاء إيران في العراق، في السياق الأوسع للضغوط الأميركية على نظام الجمهورية الإسلامية المترنح في طهران، من جهة تحت وطأة التحركات الشعبية المحقة التي تراجعت وتيرتها موَقتًا تمهيدًا لاستعادة زخمها، ومن جهة أخرى المتوجّس من مواقف ترامب المتقلّبة شبه اليومية. فملالي طهران يدركون خير إدراك، أن تراجع الرئيس الأميركي عن تهديداته بضربهم، هو تراجع تكتيكي وظرفي، وليس تراجعًا استراتيجيًا يمكنهم الاعتداد به، لأن العوامل التي كانت تدفع قائد سفينة “العمّ سام”، المتفلّت من أي ضوابط، إلى ضرب الجمهورية الإسلامية، لا تزال موجودة. وبالتالي، الضربة لا تزال واردة في أي وقت وقد تطول رأس النظام، الذي “رأى في أمّ عينيه” رأس النظام في فنزويلا الحليفة، يُساق ذليلًا إلى غياهب السجون الأميركية.
وإذا كانت إسرائيل، حليفة الولايات المتحدة المدلّلة في المنطقة، تعاملت بالنار بعد هجوم 7 تشرين الاول 2023 مع أذرع إيران في المنطقة، وبترت معظمها لا بل أجهزت عليها، فإن إدارة ترامب تستخدم سلاح المواقف النارية حتى الآن، مع أذرع إيران في العراق وممثليها، بلسان مبعوثها سافايا، في انتظار أن تتضح رؤية معالم تعاطي المبعوث الأميركي المباشر مع المشهد الضبابي في بغداد، الذي تأثر بفالق التغيّرات الجذرية في الشرق الأوسط، ويتأثر لا محالة في الوقت الراهن بتحركات الصفيح الإيراني الساخن المجاور.



