كتب أحمد عياش في “نداء الوطن”:
يخيّم قلق على “حزب الله” أن يلحق بالمرشد الإيراني علي خامنئي أي أذى. وأبلغ أحد مسؤولي الحزب أحد أصدقائه في لبنان أن خلفية ما صرّح به الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم حول تدخل هذا التنظيم في الحرب إذا ما شنتها الولايات المتحدة الأميركية على ايران، ينطلق تحديدًا من موضوع خامنئي. ولا يعني قاسم إطلاقا سائر ما يمكن أن تنتهي إليه هذه الحرب في حال وقوعها.
تدعونا الأحداث المتسارعة الى الأخذ بالاعتبار وجهة نظر “حزب الله” هذه. وأتى التقرير الذي نشرته رويترز أمس ليسلط الأضواء على احتمال أن يكون الزعيم الإيراني هو هدف فعلي للولايات المتحدة في تحضيراتها العسكرية. وينقل تقرير الوكالة عن مسؤولَين أميركيَين قولهما إن الجيش الأميركي يستعد لاحتمال شن عمليات متواصلة تستمر أسابيع ضد إيران إذا أمر الرئيس دونالد ترامب بشن هجوم، فيما قد يصبح صراعًا أكثر خطورة عما شهدناه من قبل بين البلدين.
وألمح الرئيس الأميركي قبل أيام علنًا إلى إمكانية تغيير النظام في إيران، قائلا: “يبدو أن هذا هو أفضل ما يمكن أن يحدث”. وامتنع عن الإفصاح عن هوية من يرغب في توليه السلطة في إيران، لكنه قال “هناك أشخاص”.
وتشير رويترز الى أنه لطالما أبدى ترامب تشكيكًا في إرسال قوات برية إلى إيران، وقال في العام الماضي “آخر ما ترغبون فيه هو استخدام القوات البرية”. وتشير أنواع القوة النارية الأميركية المنتشرة في الشرق الأوسط حتى الآن إلى خيارات لشن ضربات جوية وبحرية في المقام الأول. وفي فنزويلا، أبدى ترامب استعداده للاعتماد أيضًا على قوات العمليات الخاصة للقبض على رئيس البلاد نيكولاس مادورو في غارة نُفذت الشهر الماضي.
وهدد ترامب مرارًا بقصف إيران بسبب برنامجيها النووي والصاروخي وقمعها للمعارضة في الداخل. وحذر ترامب يوم الخميس الماضي من أن البديل عن الحل الدبلوماسي سيكون “مؤلمًا للغاية”.
بدوره حذر الحرس الثوري الإيراني من أنه في حالة شن ضربات على الأراضي الإيرانية، فإنه قد يرد بمهاجمة أي قاعدة عسكرية أميركية.
في المقابل، يقول ميخائيل ميلشتاين في مقال نشرته صحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية: “فيما يتعلق بـ”حزب الله”، هناك علامة استفهام في ضوء الهجمات التي تعرض لها وانتقادات داخلية في لبنان من جرّه إلى حرب أخرى، وهذه المرة أيضاً بسبب المصالح الإيرانية. من المتوقع أن تتوخى المنظمة الحذر، لكن قد تظهر سيناريوهات تعتبرها تجاوزًا للخطوط الحمراء، وعلى رأسها تصفية خامنئي، ما قد يدفعها إلى التحرك، ولو بشكل محدود”.
وتتقاطع المعطيات التي تفيد بأن “حزب الله” وضع في رأس أولوياته الأمنية أمر مصير خامنئي الذي يمثل بالنسبة للحزب مرجعًا دينيًا هو الأول بصفته “ولي الفقيه”. وتفيد “شبكة المعارف الإسلامية” التابعة للنظام الإيراني ان مؤسس الجمهورية الإسلامية ان الامام الخميني هو من اعطى لنفسه هذا اللقب الديني قبل ان يؤول الى خامنئي. وتضيف المنصة الإيرانية: “لم يكتفِ الإمام الخميني بإقامة الأدلة على ولاية الفقيه، بل نجده قد أقام صرح الحكم الإسلامي، وشيَّد أركانه، وأسَّسه على مبدأ ولاية الفقيه.”
بناء عليه، ومع قيام جمهورية الخميني، دخلت مسألة ولاية الفقيه في القانون الأساسي للدولة. وورد في مقدمة الدستور “اعتبار القيادة بيد الفقيه، وأنه ضمانة عدم الإنحراف للأجهزة المختلفة في نظام الجمهورية ووظائفها الأصلية”. كما ورد أيضا في المادة الخامسة من الدستور الإيراني: “في زمن غيبة الإمام المهدي… تكون ولاية الأمر وإمامة الأمة في جمهورية إيران الإسلامية بيد الفقيه العادل المتقي البصير بأمور العصر الشجاع القادر على الإدارة والتدبير”.
تأسس “حزب الله” في منتصف ثمانينات القرن الماضي على أساس انه حزب “ولاية الفقيه”، وما زال مستمرًا في هذا الإطار حتى اليوم. ويحرص الأمين العام الحالي للحزب دومًا، كما كان يفعل اسلافه، ان يذّكر بولائه لسلطة “ولاية الفقيه”. لكن قاسم من موقعه على رأس الحزب، لا يستطيع تجاهل هذا الاستهداف الواسع الحالي لشخصية خامنئي سواء في إيران أو خارجها. وصار شعار “الموت لخامنئي” هو أساس في شعارات المعارضة الإيرانية التي بلغت أوجها في صدامات الشهر الماضي حيث سقط آلاف الضحايا وتسبب بإصابة واعتقال مئات الألوف على يد النظام. وبدا أن الأمين العام لـ”حزب الله” في لبنان يرى أن النيل من المرشد الإيراني بات احتمالا واردًا أكثر من أي وقت مضى. وأصبحت صورة الرئيس الفنزويلي السابق مخفورًا الى الولايات المتحدة الأميركية، أمرًا واردًا قد يطال خامنئي نفسه.
يقول قاسم في إطلالة له قبل أيام: “إن شاء الله تكون هذه الجمهورية الإسلامية المباركة، بقيادة الإمام الملهم القائد الخامنئي دام ظله، هذا القائد الشجاع الذي استطاع أن ينقل هذه الجمهورية الإسلامية إلى مصاف الدول الأساسية والمؤثرة، والمبنية على القاعدة الإيمانية الصلبة، وعلى التقدم العلمي، وعلى القوة والمنعة والمعنويات، وإن شاء الله، كما تحقق الانتصار في كل المواجهات، وخاصة في مواجهة 12 يومًا في السنة الماضية، تكون إيران منصورة دائمًا”.
تبقى هناك مشكلة تواجه قاسم في لبنان وخامنئي في ايران ان ترامب لم يؤمن يومًا بنظرية “ولاية الفقيه”. ولا يبدو ان الرئيس الأميركي متهيبًا ان يلقى المرشد الإيراني المصير نفسه الذي لاقاه الرئيس الفنزويلي السابق. وهذا ما يجعل من “ليلة القبض على خامنئي” كابوسًا مريرًا يقض مضاجع أنصار “ولي الفقيه” في لبنان وايران، وهم لا ينامون الليل منذ وقع مادورو في الأسر.



