أخبار عاجلة
رسالة مزدوجة في “مؤتمر باريس” -
اجتماع مرتقب لتنسيق استجرار الطاقة من مصر والأردن -
بسبب “مشكلة”.. طائرة ترامب تعود بعد إقلاعها! -
إنهاء “قسد” واعتماد المسار السوري: نموذج للبنان؟ -
عون يخاطب الدبلوماسيين واللبنانيين بلغة “السيادة” -

متقاعدو المدارس الخاصة يعانون بصمت

متقاعدو المدارس الخاصة يعانون بصمت
متقاعدو المدارس الخاصة يعانون بصمت

كتبت زيزي اسطفان في “نداء الوطن”:

براتبٍ تقاعديّ لا تتجاوز قيمته مئتي دولار شهريًا، يحاول أستاذ المدرسة الخاصة المتقاعد أن يدبّر تفاصيل حياة باتت أقسى من طاقته. مبلغ بالكاد يكفي فواتير الكهرباء والماء، ولا يقترب من كلفة الدواء أو الطبابة أو حتى احتياجات المعيشة الأساسيّة في بلد لا تنفكّ فيه الأسعار ترتفع يوميًّا. أزمة مالية ابتلعت تعويض العمر، وراتب تقاعديّ بات الأدنى بين كل فئات الموظفين. ضمان صحّيّ إلزاميّ صار اشتراكه فوق طاقته ومدارس توارب وتحاول التنصّل من مسؤولياتها. واقع قاتم يحتاج استجابة سريعة، فهل من مستجيب؟

أستاذ أمضى عمره بين الصفوف، يؤدّي رسالته بصمت، وجد نفسه أسير أرقام هزيلة لا تعكس سنوات خدمته ولا تحفظ كرامته. فمع انهيار قيمة العملة اللبنانية، انهارت رواتب المعلّمين المتقاعدين حتى وصلت إلى ما بين 15 و 30 دولارًا كحدّ أقصى وعاش هؤلاء أوقاتًا حرجة لامست الجوع، ما أدّى إلى تحرّك نقابة المعلّمين والاتفاق بينها وبين المدارس الخاصة على “ضرب الرواتب ست مرات”، لكن ذلك كان جزءًا من بروتوكول موقت في بداية العام 2024، ولم يتحوّل إلى قانون ملزم.

مع بداية العام 2025، تمّ تعديل القانون الذي يحدّد مساهمة المدارس الخاصة بصندوق التعويضات، وزاد من نسبة هذه المساهمة إلى 8 % من إجمالي الرواتب والمساعدات لأفراد الهيئة التعليمية بالليرة اللبنانية والدولار، مع إدخال الأجور الإضافية للمعلّمين ضمن أساس الحساب.

بعد نشر القانون في الجريدة الرسمية، دخلت المسألة في مفاوضات وتعديلات بين نقابة المعلّمين واتحاد المدارس الخاصة ولجنة التربية في البرلمان. ومن أبرز المقترحات والتحويرات التي جرت مناقشتها، إلغاء المفعول الرجعي للتطبيق الذي كان من المقرّر أن يبدأ في أول تشرين الأول 2023 (وهو الأمر الذي يرفضه المعلّمون المتقاعدون ويطالبون بضعفين مستحقين عن عامي 2023 و 2024)، وتخفيض نسبة المساهمات من 8 % إلى 6 % لكلّ من المعلّم والمدرسة في مراحل لاحقة، اعتبارًا من بداية العام الدراسي 2025– 2026. لكن هذه التعديلات لم تصبح نهائية بعد أو سارية بالكامل في انتظار استكمال التفاوض ونيل موافقة نهائية من البرلمان.

عراقيل عديدة واجهت البروتوكول الذي عقد بين نقابة المعلّمين والمدارس الخاصة ومن بعده القانون الذي أقرّ بداية عام 2025. وامتنعت مدارس كثيرة عن الدفع بسبب ضغط من بعض المرجعيّات الروحية ومن اتحاد المدارس، وفق ما أشيع حينها. ولم يقبض الأساتذة المتقاعدون رواتبهم المضروبة بست في أيلول وتشرين الأول من العام 2025. لكن من حسنات القانون ونقاط قوّته، أن شروط تسديد مساهمات المدارس باتت أكثر حزمًا بحيث لا تعتمد موازنات المدارس ولا تنال براءة ذمة من مديرية التعليم الخاص ووزارة التربية، ما لم تقدّم شهادة تُثبت الوفاء بالتزاماتها المالية تجاه الصندوق.

ضاع الدعم الحكوميّ

قبل إقرار قانون رفع المساهمات، كانت الحكومة السابقة برئاسة نجيب ميقاتي قد أقرّت في كانون الأول 2023 قانونًا يسمح للدولة بأن تقدّم دعمًا ماليًا موقتًا يصل إلى حدود 650 مليار ل.ل للصندوق للتعويض عن نقص التمويل حتى يصبح قادرًا على الاستمرار.

وهنا، يشرح المنسّق العام لرابطة المعلّمين المتقاعدين في المدارس الخاصة الأستاذ محمد الملحم أن الدفع تعذر نتيجة عدم وجود رئيس للجمهورية، وتداخلت الأمور السياسية والقانونية. وقيل إنه لا يحق لرئيس حكومة تنفيذ المراسيم أثناء شغور رئاسة الجمهورية. ومع تشكيل حكومة جديدة برئاسة نواف سلام، رفض القانون وزير المالية ياسين جابر بحجة أن لا اعتماد له في الموازنة. لكن نقيب المعلمين نعمة محفوض اتفق مع الوزير جابر على دعم صندوق التعويضات بمبلغ 200 مليار ليرة، وقد أقرّ المبلغ في مجلس الوزراء ووافقت عليه لجان التربية والمال. والوعد اليوم، بأن يتم إقراره في مجلس النواب ليصبح نافذًا.

من تشرين الأول 2025، بدأ العمل بالقانون الجديد الذي يلزم المدارس بدفع 6 % من مجمل الراتب باللبناني والدولار إلى صندوق التعويضات، فيما كان سابقًا يحتسب المبلغ باللبناني وعلى قيمة دولار يوازي 1500 ليرة. هذا التحسين في الدفع، يؤدّي إلى زيادة ملاءة صندوق التعويضات. وبالتالي، يمكن أن يؤمّن رفع الرواتب 8 مرات بدل 6، الأمر الذي يصرّ عليه نقيب المعلّمين لا سيّما بعد رفع اشتراك الضمان الصحّي بشكل كبير، يفوق قدرة المتقاعدين على الدفع. ويذهب البعض إلى المطالبة برفع الراتب 9 مرات حتى يلبي الاحتياجات الأساسية للمعلّمين المتقاعدين.

الضمان الصحّي عبء مرهق

رغم أهميّته، بات الضمان الصحّي الإلزامي فوق عمر الستين يشكّل عبئًا ثقيلًا على كاهل المعلّمين المتقاعدين، خاصة بعد أن ارتفع الاشتراك الشهري من 1،620،000 شهريًا إلى 2،520،000 أي 7،560،000 فصليًا، الأمر الذي دفع بنقيب المعلّمين إلى الاجتماع مع المسؤولين في صندوق التعويضات والإصرار على ضرب الرواتب بثمانية أضعاف. وكانت مفاوضات دارت مع مدير عام الضمان الاجتماعي من أجل تخفيض اشتراكات الضمان الصحّي لأنها لا تتوافق مع رواتب المتقاعدين. لكن الجواب كان، أن أي تخفيض بحاجة إلى قانون وفق ما يشرح محمد الملحم الذي ناشد إدارة الضمان بالسماح للمتقاعدين بدفع اشتراكاتهم عبر شركات تحويل الأموال بدل التوجّه شخصيًا لدفعها ما يوفر عليهم عناء وكلفة الانتقال إلى مراكز الضمان.

مدارس تتحايل

رغم إقرار القانون الذي يلزم المدارس بدفع 6 % من مجمل الراتب عن كلّ أستاذ لصندوق التعويضات، إلّا أن المدارس لا تزال تحاول التهرّب والتحايل على القانون. بعضها لم يلتزم بالدفع لا سيّما المدارس الصغيرة. وتشير بعض الأرقام إلى أنه من أصل 1350 مدرسة، هناك 400 فقط التزمت كلّيًا بدفع ما عليها. أي إن ما يقارب ثلثي المدارس لم تدفع متوجباتها بعد. كما تقوم بعض المدارس بجعل أساتذتها يوقعون على رواتب أقلّ من الرواتب الفعلية التي ينالونها وذلك بغية تخفيض نسبة ما يجب أن تدفعه للصندوق. فقد ينال الأستاذ راتبًا قدره 500 دولار لكنه يوقع على 200 وتقتطع المدرسة نسبة 6 % من المئتين علمًا أن الأقساط في مجمل المدارس عادت إلى ما كانت عليه عام 2019 . هذا التزوير الخفيّ لا تتحمّل مسؤوليته المدارس وحدها بل معها الأساتذة الذين يقبلون بدافع الترهيب والخوف التوقيع على راتب أقلّ، من دون أن يدروا أن هذا الراتب هو الذي سيشكل تعويض نهاية الخدمة في ما بعد. وبتوقيعهم “القسري” هذا، يضعون مستقبلهم في مهبّ الريح، كما يقول الملحم. وهنا، يطالب نقيب المعلّمين الأساتذة بعدم التوقيع على أية قيمة لا توازي القيمة الفعلية لراتبهم، حتى لو خضعوا لضغوط وتهديدات بالطرد، وألّا يحوّلوا البيانات المغلوطة للمدارس إلى بيانات قانونية بتواقيعهم. ويبقى إقرار سلسلة رتب ورواتب جديدة الحلّ الوحيد لتأمين الشفافية المطلوبة، لأن السلسلة تحدّد لكل أستاذ راتبه، وكم يجب أن يحسم منه، وكم يجب أن تدفع المدرسة عنه.

مطالبات محقة

تطرح رابطة المعلمين المتقاعدين في التعليم الخاص بضعة مطالب ترى أنها كفيلة بتغذية صندوق التعويضات: إلزام المدارس بدفع فصليّ وليس في نهاية كل سنة والتوجّه إلى اتحاد المدارس وهو الأكبر في لبنان بأن يوصي المدارس المنتسبة إليه بضرورة الدفع للصندوق وتقديم بيانات صحيحة. كما تطالب الرابطة الدولة باعتماد إلزامية وحدة التشريع بين القطاعين العام والخاص. ففي حين حصل أساتذة التعليم الرسمي على زيادة بلغت 18 ضعفًا على رواتبهم ويطالبون برفعها لتصل إلى 37 ضعفًا، لم ينل أساتذة التعليم الخاص المتقاعدون إلّا 6 أضعاف واتفق على رفعها إلى 8 فيما يطالب نقيب المعلمين بـ 9 أضعاف كما يطالب المعلمون بضعفين إضافيين كمفعول رجعي. وأخيرًا، تطالب الهيئة الحكومةَ بالإفراج عن 200 مليار من أصل 650 مليارًا تمّ إقرارها لتغذية صندوق التعويضات ما يساعد على تحسين رواتب الأساتذة المتقاعدين. وإلّا فالشارع في انتظارهم…

الفجوة المالية تبتلع تعويضات المتقاعدين

ليست ضآلة الراتب التقاعدي الهمّ الأوحد للمتقاعدين، فالهمّ الأكبر يبقى خسارة هؤلاء قيمة تعويضات نهاية الخدمة التي نالوها منذ العام 2019. فالأساتذة الذين أفنوا عمرهم يكدّون ليؤمّنوا لأنفسهم شيخوخة كريمة بعيدة من الحاجة والعوز، وجدوا أن جنى العمر قد طار، وأن قيمة التعويض الذي عوّلوا عليه طويلًا قد انحدرت وكادت تتلاشى مع انهيار العملة. فمن كان يحلم بالحصول على 200000 دولار كتعويض نهاية الخدمة بعد عقود من التدريس، وجد بعد العام 2019 أن قيمة تعويضه صارت تقارب 2500 دولار، ما يعني أنه خسر كلّ ما ادّخره في الصندوق، وبات في مواجهة مستقبل قاتم مفتوح على أسوأ الاحتمالات.

وقد أحدث قانون الفجوة المالية تأثيرًا مباشرًا وخطيرًا على صندوق تعويضات أفراد الهيئة التعليمية في المدارس الخاصة، إذ أدّى عمليًا إلى المسّ بحقوق مكتسبة كرّسها قانون العمل وقانون تنظيم الهيئة التعليمية منذ عقود. فهذا الصندوق وفق ما يشرح محمد الملحم ليس حسابًا استثماريًا أو وديعة اختيارية، بل هو نتاج اقتطاعات إلزامية من رواتب المعلّمين على مدى سنوات خدمتهم ومساهمات مفروضة على المدارس، ما يضعه في خانة الصناديق ذات الطابع الاجتماعي. غير أن مقاربة الفجوة المالية، أدرجت الصندوق ضمن مسار الانهيار المالي، وساوت بين أموال الصندوق وودائع المصارف العادية، فأخضعتها لآليات إعادة التقييم والقيود المصرفية نفسها، وجرى تحميل المعلّمين جزءًا من الخسائر المالية العامّة، خلافًا لمبدأ حماية الحقوق المكتسبة ومبدأ عدم رجعية القوانين على أوضاع قانونية مستقرّة.

وتفاديًا للأثر الكارثي لقانون الفجوة المالية، تسعى نقابة المعلّمين مع نقابات المهن الحرّة إلى تعديل القانون الذي أرسلته الحكومة إلى مجلس النواب بشكل يحفظ أموال الصناديق. ويقول النقيب نعمة محفوض إن صندوق التعويضات كان يحتوي قبل الأزمة على ألف ومئتي مليار ليرة أي بحدود 800 مليون دولار، ولا يمكن التعامل معه كأنه وديعة مصرفية وتحميل الخسائر للمعلّمين كما لو كانوا مودعين. بل إن النقابة مع غيرها من نقابات المهن الحرة، تسعى للحفاظ على قيمة هذه الأموال. ويؤكّد النقيب: “إذا استطعنا تعديل القانون، فسيكون ذلك منطلقًا صحيحًا لإعادة قسم من التعويضات إلى المعلّمين الذين تقاعدوا بين 2019 و 2023، ونالوا تعويضهم على قيمة دولار 1500 وإعادة حقوقهم، إضافة إلى إدراج خسائر صندوق التعاضد للمعلّمين، والتي تبلغ نحو 4 ملايين دولار، ضمن القانون. وأي تشريع يتجاهل إدراج خسائر الصناديق، أو يعالجها بمعايير مجحفة، يحمّل فئة تربوية أساسية كلفة الانهيار الاقتصادي بصورة غير عادلة. وناشدت النقابة اللجان النيابيّة والكتل والنوّاب العمل على تعديل القانون قبل إقراره النهائيّ، بما يضمن استرداد أموال الصناديق وفق قيمتها الفعليّة، بالليرة اللبنانيّة أو الدولار، حمايةً لحقوق المعلّمين.

فهل تقوم الدولة للأستاذ و “توفيه التبجيل”؟ أم تتركه لمصير قاتم؟

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق بعد طول انقطاع.. هذا موعد الانتخابات الطالبية في “اللبنانية”
التالى 2025 كان عام التحوّل في سياسة واشنطن تجاه لبنان