هذا التتابع لم يكن صدفة عاطفية عابرة، بل مؤشراً على أن مستوى البطولة بدأ يفرض نفسه كلغة مشتركة بين الفرق والجمهور. في الدربي، الرقم المرتفع لم يأت من فوضى، بل من قدرة الطرفين على الحفاظ على نسق هجومي حتى بعد دخول المباراة منطقة الأعصاب. وفي جونية، لم يكن المشهد مجرد كرة أخيرة، بل مباراة متكافئة بقيت ضمن فارق ضيق معظم وقتها، ما يعني أن الندية لم تعد شعاراً بل واقعاً يفرض على كل فريق أن يلعب حتى آخر هجمة.
الأكثر دلالة كان في التفاصيل الصغيرة التي تصنع صورة الدوري. أن يُحسم لقاء بهذه الأهمية بثلاثية لاعب دخل للمرة الأولى في المباراة وفي آخر نصف ثانية، فهذا يضيء على فكرة أبعد من لقطة. هناك جرأة في القرارات، وثقة بالمواهب، وقدرة على تنفيذ لعبة مرسومة تحت ضغط الزمن والصالة والجمهور. تلك اللقطة وحدها كافية لتشرح كيف يمكن للدوري أن يرفع مستوى التنافس حين تتحول الدقائق الأخيرة إلى امتحان أعصاب وتنظيم لا إلى تبادل عشوائي للتسديد.
من هنا يصبح الحديث عن مقارنة السلة اللبنانية بأهم الدوريات في آسيا أقرب إلى النقاش الواقعي لا الأمنيات. صحيح أن بطولات مثل اليابان تملك B.League كدوري محترف كبير، والصين تملك CBA كدوري درجة أولى، وكوريا الجنوبية تملك KBL كدوري محترف، فيما تُقدّم الفلبين PBA كأقدم دوري محترف في آسيا، لكن جوهر المنافسة لا يُقاس بالمال وحده، بل بنوعية اللعب على أرض الملعب، بالإيقاع، وبقدرة الفرق على صناعة مباريات لا تُتوقع نهاياتها.
ولكي لا تبقى المقارنة إنشائية، يكفي النظر إلى حضور الأندية اللبنانية في منظومة المنافسات الإقليمية. في بطولة "FIBA WASL" غرب آسيا، مثلاً، فرضت الاندية حضورها، وفي مباريات على صعيد القارة ككل لم يغب لا المنتخب الوطني ولا الاندية أبدا.
وحتى على مستوى الأفراد، هناك إشارات إلى اتساع نافذة الاعتراف بالمواهب اللبنانية، مع حديث عن دخول لاعبين لبنانيين ضمن "الحصة الآسيوية" في الدوريات الآسيوية الأقوى والأهم.
الخلاصة أن مباراتي الرياضي والحكمة وهوبس والمركزية لم تكونا مجرد ليلتين حماسيتين. هما رسالة بأن الدوري اللبناني قادر على إنتاج سلة تشبه آسيا القوية من حيث الإيقاع والندية، وتفرض على أي متابع أن يعيد حساباته حول ما يمكن أن تقدمه البطولة حين تتوفر الاستمرارية والتنظيم والتغطية التي تليق بهذا المستوى.



