كتب منير الربيع في “المدن”:
دونالد ترامب لا يريد وقف الحرب على إيران. كل التصريحات عن المفاوضات مجرد مناورات. أما كلامه حول تغيّر النظام، أو المفاوضات مع شخصيات داخله، فيوضح أنه سيواصل التفاوض على إيقاع استمرار الحرب وتصعيدها لتغيير الموازين بالداخل، وهو ما قد يبقي المنطقة كلها أمام حرب استنزاف طويلة. ترامب يبتز الجميع، يريد إدارة العالم على طريقته. إذ في هذه الحرب، يضغط على أوروبا التي لم تنخرط إلى جانبه، ويبرر لنفسه التخلي عن الناتو، ويلاعب الأوروبيين بطموحاته ومطامعه المتعلقة بغرينلاند أو غيرها، كما يمكنه إخافتهم بأي تقاطع أو تفاهم مع روسيا، خصوصاً في حال احتاج لموقف روسي يوقف تقديم الدعم لإيران مقابل صيغة حل للحرب الروسية الأوكرانية. وترامب أيضاً، الذي يريد إنقاذ المنطقة من “47 سنة” من التنمر الإيراني كما يقول، يسعى إلى إدخال دول جديدة في هذه الحرب، ويصر على استدراج الدول العربية والخليجية خصوصاً إليها.
يقدم ترامب نفسه كضابط لإيقاع العالم، والساعي إلى ضبطه بممارسة القوة والمزيد من العنف، لتطويق الصين ومشاريعها، وتفكيك اتحاد أوروبا وقيمها ربما ودفع دولها إليه فرادى، أو دفعها لمنحه ما يريده في غرينلاند أو غيرها، أما على مستوى الشرق الأوسط فمشروعه إسرائيل، ودمج المنطقة فيها، إذ بالنسبة إليه لا ضير بكل الضربات التي توجهها إيران إلى دول الخليج، ليعزف على وتر تخويف العرب من إيران وبها، ودفعهم إلى التقارب مع إسرائيل طلباً للأمن وتكريسه، وربما لاحقاً، في حال حصل تغيير في بنية النظام الإيراني أو وجهته لتصبح على تقارب مع إسرائيل، عندها تتجدد ساحة التجاذب والابتزاز والتخويف، ليصبح التنافس بين الإيرانيين والعرب حول من يتقرب من تل أبيب أكثر.
ما يدفع إليه ترامب اليوم، هو إدخال دول الخليج إلى المعركة، في مقابل مساع حثيثة تبذل لتجنب ذلك، وهو ما يندرج في إطاره الاجتماع الرباعي الذي يعقد في باكستان ويضم إليها تركيا، المملكة العربية السعودية، ومصر، ذلكَ في إطار السعي لنقل المفاوضات إلى مستوىً جدي والعمل على توفير ظروف عقد لقاء إيراني أميركي، ووقف الحرب ومنع استمرارها لتتحول إلى حرب استنزاف، وهو ما تسعى إليه باكستان بقوة، خصوصاً أنها تعتبر الحرب في إيران قد تنعكس عليها وعلى أمنها القومي، كذلك الأمر بالنسبة إلى تركيا. وإلى جانب مساعي وقف الحرب فإن الدول الأربع تريد إيصال موقف موحد لإيران بضرورة وقف ضرباتها واعتداءاتها على دول الخليج.
لا يمكن الجزم بنتيجة مساعي الدول الأربع، إلا أن ترامب يصمم على مواصلة الحرب، وإسرائيل تدفع بهذا الاتجاه أيضاً، من دون إغفال الاتصالات التي أجراها ترامب بزعماء في دول الخليج، أو التصريحات التي أطلقها حول بعض قادة هذه الدول واعتبر أنهم أقوياء ويقاتلون إلى جانب واشنطن، ذلكَ بدافع تحفيزهم على الدخول إليها. هنا برز تطور كان متوقعاً حول دخول الحوثيين للحرب، وإعلان الاستعداد لإغلاق مضيق باب المندب وتنفيذ عمليات في البحر الأحمر، وهذا ما يعني عندها أن إيران قد أحكمت الطوق على مضيقي هرمز وباب المندب، وفيما كان البحر الأحمر يشكل متنفساً لدول الخليج وتحديداً السعودية، إلا أن تعطيل حركة الملاحة فيه سيدفع السعودية أكثر إلى الدخول في الحرب على نحوٍ أو آخر.
حينها سيكون الدخول في الحرب له أكثر من عنوان، الأول الدفاع عن المصالح السعودية في البحر الأحمر، والثاني الردّ على الضربات الإيرانية، والثالث حماية الخليج انطلاقاً من دور السعودية كأكبر دولة في الخليج، ربطاً بتسريبات كثيرة تتصل بأنه لم يعد من المقبول بالنسبة إلى هذه الدول أن تستمر إيران في ضرباتها والتهديد الذي تشكله عليها، وهذا ما يعني دفع الأميركيين إلى مواصلة الحرب لإحداث التغيير الكامل في إيران، وهو ما قد يحول الحرب إلى حرب استنزاف طويلة.
إغلاق باب المندب، دخول دول عربية أو خليجية الحرب، سيدفع إيران إلى توسيع نطاق هجوماتها وتكثيفها، ودخول المزيد من حلفائها في الحرب أيضاً، خصوصاً من فصائل الحشد الشعبي في العراق، كما أن ذلك قد يدفع هذه الفصائل إلى تنفيذ ضربات ضد دول أخرى أيضاً كسوريا مثلاً، التي في الأساس كان رئيسها أحمد الشرع قد تشاور مع مسؤولين عرب في إمكانية لجوء طهران لتوسيع الحرب وتنفيذ عمليات داخل دول الخليج ليس بالضرورة عبر عمليات القصف، كما أن الشرع كان قد حذر الخليجيين من احتمال لجوء إيران وفصائل عراقية إلى تنفيذ عمليات برية في الكويت، وهو ما عاد الإيرانيون وهددوا به من خلال تهديدهم باحتلال أراضٍ خليجية. هذا السيناريو في حال حصل، سيعيد تأجيج الصراع السني الشيعي في المنطقة، وفي حال استهدفت إيران أو فصائل عراقية سوريا، فإن سوريا قد تلجأ للرد وهو ما لن يبقي جبهة لبنان منفصلة في حينها، إذ سيقع التوتر والصدام السوري مع حزب الله. ذلكَ ما تسعى دول كثيرة لتجنبه ومنع حصوله، وهنا مرتكز اللقاء الرباعي في باكستان.



