كتب أنطوان مراد في “نداء الوطن”:
قلّة من اعتقدت فعلًا أن الحرب مع إيران سهلة وأن مواجهة “حزب اللّه” ستُحسم بسرعة. فالتقارير الدبلوماسية الغربية من عواصم المنطقة كانت تلتقي في أكثريتها الساحقة على التحذير من الاستخفاف بالقوة الإيرانية غير التقليدية، والتي لا تستند إلى جيش جرّار متطوّر وسلاح طيران حديث، بقدر ما ترتكز إلى إمكانات صاروخية باليستية كثيفة تجمع بين القوّة التدميرية الكبيرة والقدرة على بلوغ أهداف بعيدة مع ما تحتاجه من تقنيات تحكُّم تعود إلى الخبرات الروسية والصينية بشكل أساسيّ، فضلًا عن سلاح المسيّرات ذي الكلفة المتدنية والذي تمكّن الإيرانيون من تطويره واختباره لا سيّما في لبنان واليمن.
وتعتبر الأوساط الدبلوماسية الغربية أن إيران استفادت بشكل أساسي من تجربة “حزب اللّه” اللبناني في ضوء مواجهاته المتعدّدة مع إسرائيل وخوضه الحرب في سوريا ومواكبته العسكرية والتقنية للحشد الشعبي في العراق وللحوثيين في اليمن، خصوصًا أن بعض كوادره استطاعوا تأمين تهريب تكنولوجيا عسكرية وأمنية متنوّعة لمصلحة إيران من خلال علاقات نوعية صاغوها معتمدين على قدرات وإغراءات مالية فعلت فعلها.
وتلفت إلى أن إيران وبحسب التقارير المتطابقة، عرفت كيف تعتمد التقية وسياسة إخفاء مصانعها ومختبراتها ومخازنها تحت الأرض وفي أنفاق تمتدّ حتى تحت بعض المدن بعدما وفرت لها البنى التحتية واللوجستية اللازمة. وهذا ما عمل عليه “حزب اللّه” في لبنان، إذ تبيّن أن ما أُعلن عن مداهمة ومصادرة مئات المراكز والأنفاق والمخازن جنوب الليطاني من قبل القوى الشرعية اللبنانية كان جزئيًا جدًّا، وأن “الحزب” على خط آخر طوّر قدرة حركية تعتمد السرعة وتوزيع القوة الصاروخية في نقاط كثيرة متفرقة، فضلًا عن ترشيق القدرة على إطلاق المسيّرات من قبل مجموعات صغيرة جدًا وتعتمد التواصل خارج القنوات العسكرية والأمنية التقليدية.
وتلفت الأوساط إلى أن الحرس الثوري نجح في الإمساك بمفاصل القرار العسكري لدى “حزب اللّه” بسرعة ملفتة، بعد تحضير حثيث ودقيق، كما في تأمين الربط بينه وبين القيادة في طهران وصولًا إلى التنسيق توقيتًا ونوعًا في عمليات إطلاق الصواريخ على إسرائيل.
وفي ما خصّ المخزون الصاروخي، فإن السيد حسن نصراللّه كان صادقًا عندما كان يهدّد بمئة ألف صاروخ في مرحلة معيّنة علمًا أن المعلومات اللاحقة تحدثت عن عدد أكبر. أمّا في ما خصّ إيران بما تضمّ من مساحة شاسعة، فقد استطاعت تعزيز قدراتها الصاروخية ومراكز إنتاجها وتخزينها وإطلاقها في مناطق عدّة، علمًا أن معلومات توافرت لدى الأميركيين لفتت إلى أنه يمكن لإيران أن تطلق صاروخًا أو أكثر من نقطة معينة حتى إذا ما استُهدفت تلك النقطة بغارة جوية أو صاروخية مضادة، تعود الصواريخ الإيرانية لتنطلق من نقطة أخرى لا تبعد أكثر من بضع مئات من الأمتار أو أكثر أحيانًا، ما يعني وجود شبكة أنفاق تحت الأرض مجهّزة بما تقتضيه المواجهة من احتياطات وإجراءات وقائية.
ومن هنا وبحسب الأوساط الدبلوماسية، فإن من الصعب القضاء على القدرات الإيرانية الصاروخية بشكل حاسم، وهذا ما دفع الرئيس ترامب وقيادته العسكرية إلى التهديد باستهداف محطات الطاقة والإنشاءات النفطية والبنى التحتية كالجسور لرفع مستوى الضغط وتاليًا مستوى الشروط التفاوضية، وصولًا إلى الرهان على تسليم إيراني ولو ضمني بالخسارة، من خلال قرار صعب ولكنه يحتاج إلى الجرأة والثقة على غرار قرار الإمام الخميني بقبول وقف الحرب مع العراق في 20 تموز 1988 والذي وصفه بالمؤلم بقوله إنه “تجرّع كأس السّم بقبول القرار الدولي والشعور بالعار حيال عظمة وتضحيات الشعب الإيراني”. على أن الفارق مع إعلان وقف إطلاق النار بوساطة باكستانية على المحور الإيراني، هو أن المسؤولين الإيرانيين يرفضون التسليم اعترافًا بأي خسارة، بل يتوسلون الأسلوب المعروف لدى محور الممانعة بالإنكار وادّعاء الانتصار في الوقت عينه، لا سيّما عبر التفسير الاستنسابي لبنود الاتفاق وإبراز ما يناسب والتقليل من أهمية بعض الحقائق والوقائع.
وفي ما خصّ لبنان، فالحرب مرجّحة أن تستمرّ بأشكال مختلفة، في ضوء الأجندة الإسرائيلية وإصرار بنيامين نتنياهو على حسم “آخر حروبه” بشكل صريح، وصولًا إلى ما يعتبره حالة سلام مع لبنان، إذ يبدو أنه أقنع الرئيس ترامب بأن لا مجال لاستمرار التهديد بإطلاق الصواريخ والمسيّرات على إسرائيل من الجنوب اللبناني، ولا مجال لترك “حزب اللّه” يسيطر على الأرض جنوب الليطاني بما يمكّنه من شن عمليات أو استهداف المستوطنات والآليات والمراكز العسكرية بمضادات الدروع والصواريخ الصغيرة المباشرة.
وهذا الواقع يحمّل السلطة اللبنانية مسؤولية ثقيلة لجهة كيفية التعامل مع الانتشار العسكري والأمني لـ “حزب الله” شمال الليطاني وفي مناطق لبنانية مختلفة تنتمي بيئتها لـ “حزب اللّه” أو نجح “الحزب” في التمدّد إليها، في ضوء القرارات الحكومية المتخذة والإصرار الأميركي والأوروبي على بلورتها وتطبيقها.
وثمّة عاملان أساسيان حيال التبعات التي ستترتب على نتائج الحرب الراهنة:
الأول، ربط المساعدات المالية والاقتصادية والإعمارية للبنان بمدى رغبة وقدرة الحكم والحكومة في لبنان على “التعويض عن الفشل” الذي يراه الأميركيون والأوروبيون في تطبيق المرحلة الأولى من عملية حصر السلاح، لا سيّما أن ضغوطًا هائلة ستقع على عاتق الدولة اللبنانية مع تراجع الواردات والركود الهائل في الحركة الاقتصادية وتصاعد المطالب الاجتماعية بسبب التضخم المتفاقم.
والثاني، هو تصاعد توجُّه يتخذ طابعًا وطنيًا ملحوظًا تجاه تحميل إيران و “حزب اللّه” معًا تبعات الوضع الكارثي والخسائر الناجمة عن حرب عبثية لإسناد إيران وبقيادة صريحة من إيران. وهذا التوجّه يتمثل بضرورة محاسبة إيران بالدرجة الأولى ومن خلالها “الحزب” عبر اعتماد قنوات قضائية ومطالب تعويضية، علمًا أن هذا التوجه بدأ يظهر في بعض المنتديات، كما ظهر في بيان لقاء معراب 3 مع الإشارة إلى تمنيات ونقاش ساهم في تخفيف وتيرته، بينما برزت تمنيات أخرى من قبل أطراف زايدت على أصحاب الدعوة أنفسهم.



